الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 67 ] كتاب الضحايا

من كتاب اختلاف الأحاديث ومن إملاء على كتاب أشهب

ومن كتاب أهل المدينة وأبي حنيفة

قال الشافعي رحمه الله : " أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي بكبشين ، وقال أنس : وأنا أضحي أيضا بكبشين ، وقال أنس في غير هذا الحديث : ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين ، وذبح أبو بردة بن نيار قبل أن يذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأضحى ، فزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يعود لضحية أخرى ، فقال أبو بردة : لا أجد إلا جذعا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن لم تجد إلا جذعا فاذبحه ، قال الشافعي رحمه الله : فاحتمل أمره بالإعادة أنها واجبة ، واحتمل على معنى أنه إن أراد أن يضحي ، فلما قال عليه السلام : إذا دخل العشر ، فأراد أحدكم أن يضحي ، فلا يمس من شعره وبشره شيئا دل على أنها غير واجبة ، وبلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهية أن يرى أنها واجبة ، وعن ابن عباس أنه اشترى بدرهمين لحما ، فقال : هذه أضحية ابن عباس .

القول في مشروعية الأضحية

فصل : قال الماوردي : والأصل في الضحايا والهدايا قوله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير [ الحج : 36 ] الآية ، إلى قوله : القانع والمعتر . أما البدن ففيها ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنها الإبل خاصة ، وهو قول الجمهور .

والثاني : أنها الإبل والبقر ، وهو قول جابر وعطاء .

والثالث : أنها النعم كلها من الإبل والبقر والغنم وفي تسميتها بدنا تأويلان :

أحدهما : لكبر أبدانها ، وهو تأويل من جعلها الإبل والبقر .

والثاني : لأنها مبدنة بالسمن ، وهو تأويل من جعلها جميع النعم ، وفي قوله : من شعائر الله تأويلان :

أحدهما : من فروضه : وهو تأويل من أوجب الضحايا .

والثاني : من معالم دينه .

[ ص: 68 ] وهو تأويل من سن الضحايا ، وفي قوله : لكم فيها خير تأويلان :

أحدهما : أجر ، قاله السدي .

والثاني : منفعة إن احتاج إلى ظهرها ركب وإن حلب لبنها شرب ، قاله النخعي .

وفي قوله : فاذكروا اسم الله عليها صواف وهي قراءة الجمهور تأويلان :

أحدهما : معقولة قاله مجاهد .

والثاني : مصطفة قاله ابن عيسى ، وقرأ الحسن البصري : " صوافي " أي : خالصة لله ، مأخوذ من الصفوة ، وقرأ ابن مسعود " صوافن " أي مصفونة ، وهو أن تعقل إحدى يديها حتى تقف على ثلاث قوائم مأخوذ من صفن الفرس إذا أثنى إحدى يديه حتى قام على ثلاث ، ومنه قوله تعالى : الصافنات الجياد . قال الشاعر :


ألف الصفون فلا يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا

وفي قوله : فإذا وجبت جنوبها تأويلان :

أحدهما : أي سقطت جنوبها إلى الأرض .

ومنه قولهم : وجبت الشمس إذا سقطت للغروب .

والثاني : طفت جنوبها بخروج الروح ، ومنه وجوب الميت إذا خرجت نفسه ، وفي قوله : فكلوا منها وأطعموا ثلاثة أوجه :

أحدها : أن الأكل والإطعام واجبان .

والثاني : أنهما مستحبان .

والثالث : أن الأكل مستحب والإطعام واجب ، وفي قوله : القانع والمعتر ثلاثة أوجه :

أحدها : أن القانع : السائل ، والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل . قاله الحسن .

والثاني : أن القانع : الذي يقتنع ولا يسأل ، والمعتر : الذي يعتري فيسأل . قاله قتادة ، وأنشد أبو عبيدة :


له نحلة الأوفى إذا جاء عانيا     وإن جاء يعرو لحمنا لم يؤنب

والثالث : أن القانع الطواف والمعتر : الصديق الزائر . قاله زيد بن أسلم ، وقال تعالى : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم [ الحج : 37 ] . وفيه تأويلان :

[ ص: 69 ] أحدهما : لن يتقبل الله الدماء ، إنما يتقبل التقوى .

والثاني : لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها ، وإنما يصعد إليه التقوى والعمل الصالح ، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا نحروا بدنهم استقبلوا الكعبة بها ونضحوا الدماء عليها ، فأرادوا أن يفعلوا في الإسلام مثل ذلك ، فنهوا عنه كذلك سخرها لكم فيه تأويلان :

أحدهما : ذللها حتى أقدركم عليها .

والثاني : سهلها لكم حتى تقربتم بها .

لتكبروا الله على ما هداكم فيه تأويلان :

أحدهما : أنه التسمية عند ذبحها .

والثاني : أنه التكبير عند الإحلال بدلا من التلبية في الإحرام وبشر المحسنين فيه تأويلان :

أحدهما : بالقبول .

والثاني : بالجنة ، وقال تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير [ الحج : 28 ] . أما قوله : ويذكروا اسم الله ففيه قولان :

أحدهما : أمر الله بذبحها في أيام معلومات .

والثاني : التسمية بذكر الله عند ذبحها في الأيام المعلومات ، وفيها قولان :

أحدهما : أيام العشر من ذي الحجة .

والثاني : أنها أيام التشريق وقوله : على ما رزقهم من بهيمة الأنعام أي على نحر ما رزقهم ، وفيه تأويلان :

أحدهما : ما ملكهم .

والثاني : ما مكنهم ، وبهيمة الأنعام هي الأزواج الثمانية والضحايا والهدايا ، وفي البائس الفقير : تأويلان :

أحدهما : أنه الفقير الزمن .

والثاني : الذي به ضر الجوع وأثر البؤس .

والثالث : أنه الذي يمد يده بالسؤال ويتكفف بالطلب .

وقال تعالى : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر [ الكوثر : 1 ، 2 ] . وفي الكوثر ستة تأويلات :

[ ص: 70 ] أحدها : أنه النبوة ، قاله عكرمة .

والثاني : أنه القرآن ، قاله الحسن .

والثالث : أنه الإسلام ، قاله المغيرة .

والرابع : أنه الخير الكثير ، قاله ابن عباس .

والخامس : أنه كثرة أمته ، قاله أبو بكر بن عياش .

والسادس : أنه حوض في الجنة يكثر عليه الناس يوم القيامة ، قاله عطاء وهو فاعل من الكوثر .

وفي قوله : فصل لربك وانحر ثلاثة تأويلات :

أحدها : أنه صلاة العيد ونحر الضحايا ، قاله سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة .

والثاني : أنها صلاة الفرض واستقبال القبلة فيها بنحر ، قاله أبو الأحوص .

والثالث : أن الصلاة : الدعاء ، والنحر : الشكر ، قاله بعض المتأخرين والأول أظهرها .

فهذه أربع آيات من كتاب الله تعالى تدل على الأمر بالضحايا والهدايا .

وأما السنة ، فما رواه الشافعي في أول الكتاب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي بكبشين أملحين .

وفي الأملحين ثلاثة تأويلات :

أحدها : أنه الأبيض الشديد البياض ، وهذا قول ثعلب .

والثاني : أنه الذي ينظر في سواد ويأكل في سواد ، ويمشي في سواد وباقيه بياض ، وهذا قول عائشة رضي الله عنها .

والثالث : أنه الذي بياضه أكثر من سواده على الإطلاق ، وهذا قول أبي عبيد ، وفي قصد أضحيته بالأملح وجهان :

أحدهما : ما لحسن منظره .

والثاني : لشحمه وطيب لحمه ، لأنه نوع متميز عن جنسه .

وروى أبو سعيد الزرقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبش أدغم . قال ابن قتيبة : والأدغم من الكباش ما أرنبته وما تحت حنكه سواد وباقيه بياض .

وروى أبو رملة عن مخنف بن سليم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : على كل [ ص: 71 ] مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة ، والعتيرة ذبيحة كانت تذبح في رجب ، كما تذبح الأضحية في ذي الحجة ، فنسخت العتيرة وبقيت الأضحية .

وروى الشافعي عن سفيان عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا فرعة ولا عتيرة قال الشافعي : والفرعة في كلام العرب أول ما تنتج الناقة ، يقولون : لا يملكها ويذبحها رجاء البركة في لبنها وكثرة نسلها .

القول في حكم الأضحية

فإذا ثبت أن الضحايا مأمور بها ، فقد اختلف الفقهاء في وجوبها على ثلاثة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب الشافعي ، أنها سنة مؤكدة ، وليست بواجبة على مقيم ولا مسافر ، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين .

وبه قال أحمد بن حنبل وأبو يوسف ومحمد .

والمذهب الثاني : وهو قول مالك : أنها واجبة على المقيم والمسافر ، وبه قال ربيعة والأوزاعي ، والليث بن سعد .

والمذهب الثالث : - وهو قول أبي حنيفة - أنها واجبة على المقيم دون المسافر احتجاجا في الوجوب ، يقول الله تعالى : فصل لربك وانحر [ الكوثر : 2 ] . وهذا أمر ، وبحديث أبي رملة عن مخنف بن سليم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة وبرواية أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من لم يضح فلا يشهد مصلانا وهذا وعيد يدل على الوجوب ، وبرواية بشر بن يسار أن أبا بردة بن نيار ذبح أضحية قبل الصلاة ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد ، فدل الأمر بالإعادة على الوجوب ، قالوا : ولأن حقوق الأموال إذا اختصت بالعيد وجبت كالفطرة ، قالوا : ولأن ما وجب بالنذر كان له أصل وجوب في الشرع كالعتق ، ولأن توقيت زمانها والنهي عن معيبها دليل على وجوبها ، كالزكوات ، ودليلنا : ما رواه مندل عن ابن خباب عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الأضاحي علي فريضة وعليكم سنة وهذا نص .

[ ص: 72 ] وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم : الوتر والنحر والسواك .

وروى سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره شيئا فعلق الأضحية بالإرادة ، ولو وجبت لحتمها ، فإن قيل : فقد قال : من أراد منكم الجمعة فليغتسل فلم يدل تعليق الجمعة على الإرادة على أنها غير واجبة ، كذلك الأضحية ، قلنا : إنما علق بالإرادة الغسل دون الجمعة ، والغسل ليس بواجب فكذلك الأضحية .

وروي عن الصحابة رضي الله عنهم ما ينعقد به الإجماع على سقوط الوجوب ، فروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يرى أنها واجبة .

وروي عن أبي مسعود البدري ، أنه قال : لا أضحي وأنا موسر لئلا يقدر جيراني أنها واجبة علي .

وروي عن ابن عباس ، أنه أعطى عكرمة درهمين ، وأمره أن يشتري بها لحما ، وقال : من سألك عن هذا فقل : هذه أضحية ابن عباس .

فإن قيل : فلعل ذلك لعدم ، قيل : قد روي عن ابن عباس أنه قال : عندي نفقة ثمانين سنة ، كل يوم ألف .

ومن القياس : أنه إراقة دم ، لا تجب على المسافر ، فلا تجب على الحاضر كالعقيقة ، ولأن من لم تجب عليه العقيقة لم تجب عليه الأضحية كالمسافر ، ولأنها أضحية لا تجب على المسافر فلم تجب على الحاضر ، كالواجد لأقل من نصاب ، ولأن ما سقط وجوبه بفوات وقته مع إمكان القضاء سقط وجوبه في وقته مع إمكان الأداء ، كسائر السنن طردا ، وجميع الفروض عكسا ، ولأن كل ذبيحة حل له الأكل منها لم يجب عليها ذبحها كالتطوع طردا ، ودم المناسك عكسا .

فأما الجواب عن الآية ، فهو ما ذكرناه ، من اختلاف التأويل فيها ، ثم لا يمنع حملها على الاستحباب ، لما ذكرنا .

وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة فمن وجهين :

[ ص: 73 ] أحدهما : أن رواية أبي رملة عن مخنف بن سليم ، وهما مجهولان عند أصحاب الحديث .

والثاني : أن جمعه بين الأضحية والعتيرة دليل على اشتراكهما في الحكم .

والعتيرة غير واجبة ، فكذلك الأضحية .

وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : من لم يضح ، فلا يشهد مصلانا فمن وجهين :

أحدهما : أنه جمع في الترك بين الأضحية ، والتأخر عن الصلاة ، والصلاة سنة ، فكذلك الأضحية ، ويكون معناه : أن من ترك ما أمرناه من الأضحية ، فليترك ما أمرناه من الصلاة .

والثاني : أن هذا زجر يتوجه إلى الاستحباب دون الوجوب ، كما قال : من أكل من هذه البقلة شيئا ، فلا يقربن مصلانا .

فأما الواجبات ، فالأمر بها ، وإلزام فعلها ، أبلغ في الوجوب من هذا الزجر .

وأما حديث أبي بردة فمحمول على أحد وجهين : إما على الإعادة استحبابا ، وإما على الوجوب ، لأنها كانت نذرا .

وأما الجواب عن قياسهم على زكاة الفطر ، فهو أن زكاة الفطر لما استوى فيها الحاضر والمسافر ، ولزم قضاؤها مع الفوات ، وخلف منها لأضحية ، جاز أن تجب زكاة الفطر ، ولم تجب الأضحية .

وأما الجواب عن قياسهم بأن ما وجب بالنذر كان له أصل في الشرع ، فهو أن له في الشرع أصلا في دماء الحج ، فلم يحتج أن تكون الأضحية له أصلا .

وأما الجواب عن استدلالهم بوقتها ، والامتناع من العيوب فيها ، فهو أن هذين معتبران في حق المسافر ، وإن لم تجب عليه ، فكذلك اعتبارها في حق الحاضر لا يقتضي وجوبها عليه ، والله أعلم .

القول في أخذ المضحي من شعره وبشره في عشر ذي الحجة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث