الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا

[ ص: 330 ] وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون .

عطفت جملة " وكيف أخاف " على جملة " ولا أخاف ما تشركون به " ليبين لهم أن عدم خوفه من آلهتهم أقل عجبا من عدم خوفهم من الله تعالى ، وهذا يؤذن بأن قومه كانوا يعرفون الله وأنهم أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتج عليهم بأنهم أشركوا بربهم المعترف به دون أن ينزل عليهم سلطانا بذلك .

و " كيف " استفهام إنكاري ، لأنهم دعوه إلى أن يخاف بأس الآلهة فأنكر هو عليهم ذلك وقلب عليهم الحجة ، فأنكر عليهم أنهم لم يخافوا الله حين أشركوا به غيره بدون دليل نصبه لهم فجمعت كيف الإنكار على الأمرين .

قالوا وفي قوله ولا تخافون أنكم أشركتم يجوز أن تكون عاطفة على جملة أخاف ما أشركتم فيدخل كلتاهما في حكم الإنكار ، فخوفه من آلهتهم منكر ، وعدم خوفهم من الله منكر .

ويجوز أن تكون الواو للحال فيكون محل الإنكار هو دعوتهم إياه إلى الخوف من آلهتهم في حال إعراضهم عن الخوف ممن هو أعظم سلطانا وأشد بطشا ، فتفيد كيف مع الإنكار معنى التعجيب على نحو قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم . ولا يقتضي ذلك أن تخويفهم إياه من أصنامهم لا ينكر عليهم إلا في حال إعراضهم عن الخوف من الله لأن المقصود على هذا إنكار تحميق ومقابلة حال بحال ، لا بيان ما هو منكر وما ليس بمنكر ، بقرينة قوله في آخره فأي الفريقين أحق بالأمن . وهذا الوجه أبلغ .

و " ما أشركتم " موصولة والعائد محذوف ، أي ما أشركتم به . حذف لدلالة قوله ولا أخاف ما تشركون به عليه ، والموصول في محل المفعول ( به ) ، لـ ما أشركتم .

[ ص: 331 ] وفي قوله " أنكم أشركتم " حذفت ( من ) المتعلقة بـ " تخافون " لاطراد حذف الجار مع ( أن ) ، أي من إشراككم ، ولم يقل : ولا تخافون الله ، لأن القوم كانوا يعرفون الله ويخافونه ولكنهم لم يخافوا الإشراك به . و ما لم ينزل به عليكم سلطانا موصول مع صلته مفعول " أنكم أشركتم " .

ومعنى لم ينزل به عليكم لم يخبركم بإلهية الأصنام التي عبدتموها ولم يأمركم بعبادتها خبرا تعلمون أنه من عنده فلذلك استعار لذلك الخبر التنزيل تشبيها لعظم قدره بالرفعة ، ولبلوغه إلى من هم دون المخبر ، بنزول الشيء العالي إلى أسفل منه .

والسلطان : الحجة لأنها تتسلط على نفس المخاصم ، أي لم يأتكم خبر منه تجعلونه حجة على صحة عبادتكم الأصنام .

والفاء في قوله فأي الفريقين تفريع على الإنكار ، والتعجيب فرع عليهما استفهاما ملجئا إلى الاعتراف بأنهم أولى بالخوف من الله منإبراهيم من آلهتهم . والاستفهام بـ " أي " للتقرير بأن فريقه هو وحده أحق بالأمن .

والفريق : الطائفة الكثيرة من الناس المتميزة عن غيرها بشيء يجمعها من نسب أو مكان أو غيرهما ، مشتق من فرق إذا ميز . والفرقة أقل من الفريق ، وأراد بالفريقين هنا قومه ونفسه ، فأطلق على نفسه الفريق تغليبا ، أو أراد نفسه ومن تبعه إن كان له أتباع ساعتئذ ، قال تعالى فآمن له لوط ، أو أراد من سيوجد من أتباع ملته ، كما يناسب قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم .

والتعريف في الأمن للجنس ، وهو ضد الخوف ، وجملة إن كنتم تعلمون مستأنفة ابتدائية ، وجواب شرطها محذوف دل عليه الاستفهام ، تقديره : فأجيبوني ، وفيه استحثاث على الجواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث