الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " تعرفهم بسيماهم "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله ( تعرفهم بسيماهم )

قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : "تعرفهم " يا محمد " بسيماهم " يعني بعلامتهم وآثارهم ، من قول الله - عز وجل - : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) [ سورة الفتح : 29 ] هذه لغة قريش . ومن العرب من يقول : " بسيمائهم " فيمدها .

وأما ثقيف وبعض أسد فإنهم يقولون : " بسيميائهم " ; ومن ذلك قول الشاعر : . [ ص: 595 ]


غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر

[ ص: 596 ]

وقد اختلف أهل التأويل في " السيما " التي أخبر الله - جل ثناؤه - أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصف صفتهم ، وأنهم يعرفون بها .

فقال بعضهم : هو التخشع والتواضع .

ذكر من قال ذلك :

6222 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " تعرفهم بسيماهم " قال : التخشع .

6223 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

6224 - حدثني المثنى قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن ليث قال : كان مجاهد يقول : هو التخشع .

وقال آخرون يعني بذلك : تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم .

ذكر من قال ذلك :

6225 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " تعرفهم بسيماهم " بسيما الفقر عليهم .

6226 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " تعرفهم بسيماهم " يقول : تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة .

وقال آخرون : معنى ذلك : تعرفهم برثاثة ثيابهم . وقالوا : الجوع خفي .

ذكر من قال ذلك :

6227 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : [ ص: 597 ] " تعرفهم بسيماهم " قال : السيما : رثاثة ثيابهم ، والجوع خفي على الناس ، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها [ أن ] تخفى على الناس .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله - عز وجل - أخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم . وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان ، فيعرفهم وأصحابه بها ، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة .

وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم ، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضر ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب ، وأن تكون كانت جميع ذلك ، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان ، ويعلم أنها من الحاجة والضر بالمعاينة دون الوصف . وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظير آثار المجهود من الفاقة والحاجة ، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثياب الرثة ، فيتزيى بزي أهل الحاجة ، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختل ذو فاقة . وإنما يدرى ذلك عند المعاينة بسيماه ، كما وصف الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث