الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          الله أحل الطيبات

                                                          [ ص: 2644 ] فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

                                                          نهى الله تعالى عن اتباع المشركين خاصة، والجماعات من غير نظر عامة، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى الضلال الذي كانوا يتبعونه فكانوا يأكلون ما ذبح باسم أصنامهم، وما ذبح على نصبها، وكانوا يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام، ويزعمون أن تحريم ذلك من الله، لذلك أباح الله تعالى للمؤمنين أن يأكلوا مما ذكر عليه اسم الله، وألا يأكلوا مما لم يذكر عليه اسم الله، وألا يحرموا على أنفسهم إلا ما حرم الله، فقال تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (الفاء) هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، إن كنتم قد نهيتم عن اتباع المشركين في تحريمهم وتحليلهم، وتحريمهم بعض ما أحل الله- فكلوا مما ذكر اسم الله تعالى عليه.

                                                          وقد دلت هذه الجملة السامية على أمرين:

                                                          أولهما: إباحة ما ذكر اسم الله عليه تعالى عند ذبحه، فإن الذبح بإنهار الدم يكون تطهيرا له من الخبث الحسي، وذكر الله تعالى يكون تطهيرا معنويا من خبث الوثنية.

                                                          ثانيهما: أن كل الأنعام مباح أكله بعد تذكيته مع ذكر اسم الله تعالى عليه، فلا يحرم المؤمن شيئا مما حرمه المشركون، وإنه رد على بعض المشركين الذين [ ص: 2645 ] استباحوا الميتة، فقد روى النسائي في سننه أن بعض المشركين قالوا: كيف نحل ذبيحة الإنسان، ولا نحل ذبيحة الله; يقصدون أن الميت ذبيحة الله تعالى، وذلك غلط فاحش، وكذب على الله، فالذبح إنهار الدم وإزالة ما يكون فيها من خبائث تضر الجسم، والميتة ليس ذبحا، وفيها بقاء الدم بخبائثه في الجسم. وقال تعالى: إن كنتم بآياته مؤمنين أي: إن المؤمن لا يتبع المشركين، ولا يحرم إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل إلا ما أحل الله، وقوله تعالى: إن كنتم بآياته مؤمنين فيه توكيد وصفهم بالإيمان بقوله: " كنتم " الدالة على البقاء والاستمرار على وصف الإيمان، وأكد سبحانه وتعالى الإيمان بوصفهم به.

                                                          وهنا يثار بحث: هل تناول المباح يعد من الإيمان؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن تناول المباح له جانبان، جانب التناول، وهو مباح بالجزء، فيجوز للإنسان أن يأكل نوعا، وألا يأكل آخر، فيجوز أن يأكل اللحم، وأن يأكل الطير، أو يأكل السمك، فكلها حلال طيب، ولكن لا يجوز أن يمتنع عنها جملة، فهي مباح بالجزء مطلوبة بالكل، فلا يجوز أن يمتنع عن كل المباحات، والجانب الثاني أن يحسب أن الامتناع عن بعض المباحات تعبد؛ كأن يمتنع عن اللحم من غير ضرورة جسمية كبعض الذين يسمون أنفسهم نباتيين؛ فإن هذا يكون ممنوعا لغير ضرورة أو حاجة، فإنه يدخل في النهي في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية