الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة ؟

4886 [ ص: 539 ] 76 - باب: هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة ؟

ورأى ابن مسعود صورة في البيت ، فرجع . ودعا ابن عمر أبا أيوب - رضي الله عنهم - ، فرأى في البيت سترا على الجدار ، فقال ابن عمر : غلبنا عليه النساء ، فقال : من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك ، والله لا أطعم لكم طعاما ، فرجع .

5181 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن نافع ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب فلم يدخل ، فعرفت في وجهه الكراهية فقلت : يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ، ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بال هذه النمرقة ؟ " . قالت : فقلت اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم " . وقال : " إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة " . [انظر : 2105 - مسلم: 2107 - فتح: 9 \ 249 ] .

التالي السابق


ثم ذكر حديث عائشة - رضي الله عنها - في النمرقة .

وقد سلف في البيع .

والنمرقة بضم النون ، وحكي كسرها . والنمرق أيضا : وسادة صغيرة ، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرجل نمرقة ، ويقال : نمروق أيضا ، وقيل : المرافق ، وقيل : المجالس ، ولعله يعني : الطنافس وشبهها ، ومثل حديث عائشة حديث علي - رضي الله عنهما - ، أخرجه النسائي من حديث قتادة ، عن ابن المسيب ، عنه : دعوت النبي - صلى الله عليه وسلم -

[ ص: 540 ] فدخل ، فرأى سترا فخرج وقال "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير "
. ولأبي داود من حديث سفينة نحوه ، وقال : "إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتا مرقوما " .

وهذه الأحاديث دالة على أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله عنه ورسوله ، وما كان مثله من المناكير ، ألا ترى أنه - عليه السلام - رجع من بيت عائشة حين رأى النمرقة بالتصاوير ، وقد حكي الوعيد في المصورين أنهم أشد الناس عذابا ، وأنه يقال : أحيوا ما خلقتم ، فلا ينبغي حضور المنكر والمعاصي ، ولا مجالسة أهلها عليها ; لأن ذلك إظهار للرضى بها ، ومن كثر سواد قوم فهو منهم ، ولا يأمن فاعل ذلك حلول سخط الرب جل جلاله ، وعقابه عليهم ، وشمول لعنته لجميعهم .

وفي أبي داود من حديث جعفر بن برقان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مطعمين : عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر ، وأن يأكل وهو منبطح على بطنه . قال أبو داود : هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري ، وهو منكر . وللنسائي من حديث جابر رفعه : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر " . ولأحمد مثله من حديث القاسم بن

[ ص: 541 ] أبي القاسم
، عن قاص الأجناد بالقسطنطينة ، عن عمر ، به .

وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن الرجل يدعى إلى الوليمة وفيها شراب ، أيجيب الدعوة ؟ قال : لا ; لأنه أظهر المنكر .

وقال الشافعي : إذا كان في الوليمة خمر أو منكر ، وما أشبهه من المعاصي نهاهم ، فإن انتهوا وإلا رجع ، وإن علم أن ذلك عندهم لم أحب له أن يجيب .

وقال مرة : وإذا دعي إلى الوليمة وفيها المعصية نهاهم ، فإن نحوا ذلك عنه ، وإلا لم أحب له أن يجلس ، فإن رأى صورا ذات أرواح لم يدخل إن كانت منصوبة لا توطأ ، فإن كانت توطأ أو كانت صورا غير ذات أرواح ، فلا بأس أن يدخل .

وقال الطحاوي : لم نجد عن أصحابنا في ذلك شيئا إلا في إجابة دعوة وليمة العرس خاصة ، فإنها تجب عندهم ، قال : وقد يقال : إن طعام الوليمة إنما هو طعام العرس خاصة .

واختلفوا في اللهو واللعب يكون في الوليمة ، فقال الليث : إذا كان فيها الضرب بالعود واللهو فلا ينبغي أن يشهدها . ورخص في ذلك الحسن .

قال ابن القاسم : وإن كان فيها لهو كالمزامير والعود فلا يدخل . وعن مالك : إذا دعي ورأى لهوا خفيفا مثل الدف والكبر فلا يرجع . وقال أصبغ : أرى أن يرجع . وذكر ابن المواز عن مالك قال : إذا

[ ص: 542 ] رأى أحدا من اللعابين فليخرج ، مثل أن يجعل ضاربا على جبهته أو يمشي على حبل .

وقال ابن وهب عن مالك : لا أحب لذي الهيئة أن يحضر اللعب .

قيل له : فالكبر والمزمار وغيره من اللهو ينالك سماعه وتجد لذته وأنت في طريق أو مجلس ؟ قال : فليقم عن ذلك المجلس ، وقد رجع ابن مسعود في وليمة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : "من كثر سواد قوم فهو منهم " .

وقد مر ابن عمر بزمر ، فجعل إصبعيه في أذنيه ومشى ، وجعل يقول لنافع : أتسمع شيئا ، قال : لا ، فنحى يديه ، ثم قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمع زمارة راع ، ففعل مثل ما فعلت . أخرجه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه " . وقال أبو داود : حديث منكر .

وقال أبو حنيفة : إذا حضر الوليمة فوجد فيها اللعب ، فلا بأس أن يقعد يأكل .

[ ص: 543 ] وقال محمد : إذا كان الرجل ممن يقتدى به فأحب لي أن يرجع .

وروي أن الحسن وابن سيرين كانا في جنازة وهناك نوح ، فانصرف ابن سيرين ، فقيل ذلك للحسن ، فقال : إن كنا متى رأينا باطلا تركنا حقا ; أسرع في ديننا .

واحتج الكوفيون في إجازة حضور اللعب بأنه - عليه السلام - رأى لعب الحبشة ، ووقف له ، وأراه عائشة ، وضرب عنده في العيد بالدف والغناء ، فلم يمنع من ذلك .

وحجة من كرهه أنه - عليه السلام - لما لم يدخل البيت الذي فيه الصورة التي نهى عنها ، فكذلك كل ما كان مثلها من المناكير .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث