الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأحاديث الواردة في تحريم لبس الحرير

الأحاديث الواردة في تحريم لبس الحرير

وعن لبس الحرير، فلما روي عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها" رواه الترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد صححه أيضا ابن حزم.

وروي من حديث علي، عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا، فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي"، زاد ابن ماجه: "حل لإناثهم"، وهو حديث حسن. وفي الباب أحاديث.

قال المهدي في "البحر الزخار": إنه مجمع على تحريم الحرير للرجال، وخالف في ذلك ابن علية، وانعقد الإجماع بعده على تحريمه.

وتمام الكلام على هذه المسألة في كتاب "الروضة الندية".

وعن علي، قال: أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فبعث بها إلي، فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، أنا بعثت بها لتشققها خمرا بين النساء" متفق عليه.

اختلف أهل العلم في تفسير هذه الحلة ما هي؟ فقيل: إنها ذات الخطوط، وقيل: المختلفة الألوان.

وهذان التفسيران، لا يدلان على مطلوب من استدل بهذا الحديث على منع لبس المشوب.

على أنه قد قيل: إنه الحرير المحض. واستدل من لم يقل بتحريم المشوب، بل حرم الخالص فقط، بمثل حديث [ ص: 477 ] ابن عباس عند أحمد، وأبي داود، قال: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من قز، وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وفيه ضعف، و"المصمت": هو الذي جميعه حرير، ولا يخالطه قطن ولا غيره، والبحث طويل الذيول، كثير السيول.

والذي هاهنا به أقول: إن مسألة تحريم مشوب الحرير، من المعارك التي تحمل البسط.

قال الشوكاني في "وبل الغمام": وقد طالت المراجعة فيها بيني وبين شيخي المجتهد المطلق السيد عبد القادر بن أحمد الكوكباني - رحمه الله - أيام قراءتي عليه، فكان جميع ما حرره وحررته نحو سبع رسائل، وقد لخصت ما ظهر لي في المسألة في "شرح المنتقى" باختصار، فليرجع إليه. انتهى.

قلت: وحاصله ترجيح تحريم المشوب، كما قرره صاحب "هداية السائل".

وعن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير، إلا هكذا - ورفع إصبعيه: الوسطى، والسبابة، وضمهما-. متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: أنه خطب بالجابية، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع.

وفي هذا إباحة الأعلام من الحرير، والطراز منه في الثياب، إذا لم يزد على أربعة أصابع.

قال في "حجة الله البالغة": أباح هذا المقدار؛ لأنه ليس من باب اللباس، وربما تقع الحاجة إلى ذلك.

ونهي عن لبس الحرير والديباج والقسي، والمياثر والأرجوان. انتهى.

والحاصل: أن لبس الحرير حرام على الرجال، إذا كان فوق أربع أصابع، إلا للتداوي، وكذلك يحرم افتراشه في البيوت.

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يلبس [ ص: 478 ] الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" متفق عليه.

أي: لا حظ له في الاعتقاد بأمر الآخرة. وفيه من الوعيد ما لا يقادر قدره. وقيل: معناه: لا يلبسه في الآخرة من لبسها في الدنيا، بل يبقى محروما، والأول أظهر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث