الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله .

لما تقضى إبطال ما زعموه من نفي الإرسال والإنزال والوحي ، الناشئ عن مقالهم الباطل ، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ، وعقب ذلك بإثبات ما لأجله جحدوا إرسال الرسل وإنزال الوحي على بشر ، وهو إثبات أن هذا الكتاب منزل من الله ، عقب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه المشركون من الشرائع الضالة في أحوالهم التي شرعها لهم عمرو بن لحي من عبادة الأصنام ، وزعمهم أنهم شفعاء لهم عند الله ، وما يستتبع ذلك من البحيرة ، والسائبة ، وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح ، وغير ذلك . فهم ينفون الرسالة تارة في حين أنهم يزعمون أن الله أمرهم بأشياء فكيف بلغهم ما أمرهم الله به في زعمهم ، وهم قد قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . فلزمهم أنهم قد كذبوا على الله فيما زعموا أن الله أمرهم به ؛ لأنهم عطلوا طريق وصول مراد الله إلى خلقه وهو طريق الرسالة فجاءوا بأعجب مقالة .

[ ص: 374 ] وذكر من استخفوا بالقرآن فقال بعضهم : أنا أوحي إلي ، وقال بعضهم : أنا أقول مثل قول القرآن ، فيكون المراد بقوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا تسفيه عقائد أهل الشرك والضلالة منهم على اختلافها واضطرابها . ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النبيء صلى الله عليه وسلم عما رموه به من الكذب على الله حين قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء لأن الذي يعلم أنه لا ظلم أعظم من الافتراء على الله وادعاء الوحي باطلا لا يقدم على ذلك ، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان : وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله .

والاستفهام إنكاري فهو في معنى النفي ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب هذه الصلات . ومساقه هنا مساق التعريض بأنهم الكاذبون إبطالا لتكذيبهم إنزال الكتاب ، وهو تكذيب دل عليه مفهوم قوله والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به لاقتضائه أن الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم المشركون يكذبون به ; ومنهم الذي قال : أوحي إلي ; ومنهم الذي قال : سأنزل مثل ما أنزل الله ; ومنهم من افترى على الله كذبا فيما زعموا أن الله أمرهم بخصال جاهليتهم . ومثل هذا التعريض قوله تعالى في سورة العقود قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه الآية عقب قوله يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء الآية .

وتقدم القول في ومن أظلم عند قوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه في سورة البقرة .

والافتراء : الاختلاق ، وتقدم في قوله تعالى ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود .

و من موصولة مراد به الجنس ، أي كل من افترى أو قال ، وليس [ ص: 375 ] المراد فردا معينا ، فالذين افتروا على الله كذبا هم المشركون ؛ لأنهم حللوا وحرموا بهواهم وزعموا أن الله أمرهم بذلك ، وأثبتوا لله شفعاء عنده كذبا .

و أو قال أوحي إلي عطف على صلة من ، أي كل من ادعى النبوءة كذبا ، ولم يزل الرسل يحذرون الناس من الذين يدعون النبوءة كذبا كما قدمته . روي أن المقصود بهذا مسيلمة متنبئ أهل اليمامة ، قاله ابن عباس وقتادة وعكرمة . وهذا يقتضي أن يكون مسيلمة قد ادعى النبوءة قبل هجرة النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأن السورة مكية . والصواب أن مسيلمة لم يدع النبوءة إلا بعد أن وفد على النبيء صلى الله عليه وسلم في قومه بني حنيفة بالمدينة سنة تسع طامعا في أن يجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بعده فلما رجع خائبا ادعى النبوءة في قومه .

وفي تفسير ابن عطية أن المراد بهذه الآية مع مسيلمة الأسود العنسي المتنبي بصنعاء . وهذا لم يقله غير ابن عطية . وإنما ذكر الطبري الأسود تنظيرا مع مسيلمة فإن الأسود العنسي ما ادعى النبوءة إلا في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم . والوجه أن المقصود العموم ولا يضره انحصار ذلك في فرد أو فردين في وقت ما وانطباق الآية عليه .

وأما من قال سأنزل مثل ما أنزل الله ، فقال الواحدي في أسباب النزول ، عن ابن عباس وعكرمة : أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان قد أسلم بمكة ، وكان يكتب الوحي للنبيء صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد وقال : أنا أقول مثل ما أنزل الله ، استهزاء ، وهذا أيضا لا ينثلج له الصدر لأن عبد الله بن أبي سرح ارتد بعد الهجرة ولحق بمكة وهذه السورة مكية . وذكر القرطبي عن عكرمة ، وابن عطية عن الزهراوي والمهدوي أنها : نزلت في النضر بن الحارث كان يقول : أنا أعارض القرآن . وحفظوا له أقوالا ، وذلك على سبيل الاستهزاء . وقد رووا أن أحدا من المشركين قال : إنما هو قول شاعر وإني سأنزل مثله ; وكان هذا قد تكرر من المشركين كما أشار إليه القرآن ، فالوجه [ ص: 376 ] أن المراد بالموصول العموم ليشمل كل من صدر منه هذا القول ومن يتابعهم عليه في المستقبل .

وقولهم مثل ما أنزل الله إما أن يكونوا قالوا هذه العبارة سخرية كما قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ، وإما أن يكون حكاية من الله تعالى بالمعنى ، أي قال سأنزل مثل هذا الكلام ، فعبر الله عنه بقوله ما أنزل الله كقوله وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث