الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[ ص: 2 ] قال رحمه الله ) : وإذا كان العبد رهنا بألف ، وقيمته ألف فغصبه رجل فقتل عنده قتلا خطأ ، ثم رده ، فدفعه بالجناية فإنه يرجع على الغاصب بقيمته ; لأن المرتهن له يد صحيحة على الرهن وقد أزالها عنه الغاصب ، فكان ضامنا له ما لم ينتسخ فعله بالرد ، كما قبض ، ولم يرده هنا ، كما قبضه ; لأنه قبضه فارغا عن الجناية ، ورده مشغولا بها واستحق بذلك الشغل حين دفع بالجناية ، فكأنه لم يرده أصلا ولو هلك عنده قبل الرد كان للمرتهن أن يرجع عليه بقيمته ، فيكون رهنا مكانه ، فإن فداه المرتهن كانت القيمة التي يأخذ من الغاصب له مكان الفداء ; لأن ما لحق من الغرم إنما لحقه بالجناية عند الغاصب ، وما كان يتوصل إلى إحياء حقه إلا بالفداء ، فكان له أن يرجع على الغاصب بالأقل من القيمة ومما فداه به ; لأن الذي يتيقن باستحقاقه عليه الأقل منهما ويكون ذلك له مكان الفداء ; لأن الغرم مقابل بالغنم .

ولو كان الرهن يساوي ألفين ففداه الراهن والمرتهن كانت القيمة التي يأخذونها من الغاصب بينهما نصفين ; لأن غرم الفداء كان بينهما نصفين ، وإنما يرجعان بالقيمة باعتبار ما غرما فتكون القيمة بينهما نصفين ، ولو لم يجن عند الغاصب ، ولكنه أفسد متاعا لحقه من دين ، وقيمته ألف رده ، فإنه يباع في الدين ، إلا أن يصلحه المرتهن بقضاء الدين ، فإذا بيع بدئ بحق صاحب الدين ; لأن حقه مقدم على حق المرتهن ، فإن بقي شيء بعد الدين كان في الرهن ويضمن الغاصب ما دفعوا في الدين من عنده ; لأن ذلك القدر استحق بسبب كان من العبد في ضمان الغاصب ، فيرجعون به عليه لأن الرد لم يسلم فيه ثم يكون رهنا مع ما بقي من الثمن ولا ينقص من الرهن شيء ; لأن ما فات من ماليته ، قد أخلف بدلا وهو المستوفى من الغاصب ، فيبقى جميع الدين ببقاء الخلف .

ولو كان حين قتل قتيلا في يد الغاصب رده إلى المرتهن فمات عنده بطلت الجناية ; لأن حق ولي الجناية في تملك نفسه بالدفع إليه ، وقد فات محل حقه حين مات ثم يسقط الدين بموته في يد المرتهن ; لأنه عاد إلى يده ، كما كان مضمونا بالدين [ ص: 3 ] إذا هلك ولا شيء على الغاصب ; لأن الرد قد سلم حين لم يؤخذ منه شيء بالجناية التي كانت عند الغاصب ، وكذلك لو كان الدم عمدا فيه قصاص فعفى ولي الدم أو عفى ولي جناية الخطأ ، أو أبرأ صاحب المال في الاستهلاك ، فلا شيء على الغاصب في هذه الفصول ; لأنه لم يوجد شيء من العبد بسبب الفعل الذي كان منه في يد قيم رده ، وانتسخ به حكم فعله .

ولو قتل عند الغاصب قتيلا خطأ ، ثم قتل قتيلا عمدا ، ثم أفسد متاعا مثل قيمته ، ثم رده عليهم فاختاروا دفعه فإنه يدفع بالخطأ ، ثم يقتله أصحاب العمد ، كما لو كانت هذه الجناية من العبد في يد المالك ، وهذا لو نوى القود ، وإن جنى ولي الخطأ ، ولو نوى بالدفع ما يفوت حق ولي العمد في القصاص ، ولا فائدة في البدلية في البيع بالدين ; لأنه يفوت به حق ولي الخطأ ، وإذا استوفى القصاص بطل البيع ; فلهذا يبدأ بالدفع في الخطأ ، ثم يقتله أصحاب العمد قصاصا ، ويكون على الغاصب القيمة ، ويدفع إلى أولياء الخطأ ; لأن حقهم ثبت في عبد فارغ ولم يسلم لهم ذلك فإنه دفع إليهم عبدا مباح الدم بالقصاص ، والقيمة بدل عنه فثبت حقهم في البدل بثبوت حقهم في الأصل فإذا رفعت إلى أولياء الخطأ أخذها الغرماء ، ثم يرجع المرتهن على الغاصب بقيمة أخرى ; لأن تلك القيمة استحقت بسبب كان من العبد في ضمانه فيأخذ منه هذه القيمة أصحاب الخطأ أيضا ; لأن القيمة الأولى لم تسلم لهم ، فإنها استحقت من يدهم لحق الغرماء ، فيدفع إليهم القيمة الثانية للذي استحقت من يده الجناية التي كانت عند الغاصب ، فيرجع عليه بقيمة أخرى حتى يكون في يد المرتهن قيمة لا تبعة فيها قائمة مقام عبد لم يكن فيه تبعة حين أخذه الغاصب .

ولو بدأ بالدين ثم ثنى بالعمد ثم ثلث بالخطأ ، فاختاروا الدفع ، فإنه يدفع بالخطأ ، ثم يقتل قصاصا لما قلنا ثم يكون على الغاصب قيمته للمرتهن ، ولا سبيل لأولياء الخطأ على هذه القيمة ; لأن حقهم ما ثبت إلا في عبد مشغول ، فإنه حين جنى على وليهم كان مشغولا بالدم مباحا بالقصاص ، وقد دفع إليهم بهذه الصفقة فليس لهم أن يرجعوا بشيء آخر ، ولكن هذه القيمة يأخذها الغرماء ; لأنها بدل عن العبد وحقهم كان ثابتا في ماليته فثبت في بدله أيضا ، فإذا أخذها الغرماء رجع المرتهن على الغاصب بقيمة أخرى ، فيكون رهنا مكان العبد ; لأن القيمة الأولى استحقها الغرماء بسبب ما في العبد من ضمان الغاصب .

التالي السابق


الخدمات العلمية