الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
732 [ ص: 136 ] [ ص: 137 ] حديث موفي خمسين لنافع ، عن ابن عمر

مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن ، قال عبد الله : وبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ويهل أهل اليمن من يلملم .

التالي السابق


هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ ، عن مالك فيما علمت ، وكذلك رواه أصحاب نافع كلهم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وكذلك رواه عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وكذلك رواه ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - مثله سواء اتفقوا كلهم على أن ابن عمر لم يسمع من النبي - عليه السلام - قوله : ويهل أهل اليمن من يلملم .

[ ص: 138 ] ورواه صدقة بن يسار ، قال : سمعت ابن عمر يقول وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرنا ، قال : فقيل له : وللعراق ، قال : لا عراق يومئذ .

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن قال : حدثنا أحمد بن شعيب بن سنان قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، قال : حدثنا نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رجلا قام في المسجد ، فقال : يا رسول الله ، من أين تأمرنا أن نهل ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن ، قال ابن عمر : ويزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ويهل أهل اليمن من يلملم ، وكان ابن عمر يقول : لم أفقه هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : [ ص: 139 ] حدثنا سفيان عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن ، وذكر لي ، ولم أسمع أنه قال : ويهل أهل اليمن من يلملم ، ولا خلاف بين العلماء أن مرسل الصاحب ، عن الصاحب ، أو عن الصحابة ، وإن لم يسمهم صحيح حجة .

وقد روى ابن عباس مثل حديث ابن عمر هذا كله ، عن النبي - عليه السلام - : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس وعن ابن طاوس ، عن أبيه قالا : وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرنا ، ولأهل اليمن يلملم ، وقال : هي لهم ولمن أتى عليهن من سواهم ممن أراد الحج والعمرة ، قال : ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، قال : وكذلك حتى يبلغ ذلك أهل مكة فيهلون منها .

[ ص: 140 ] ، وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس مثله ، وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : أخبرنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا حماد ، عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل اليمن يلملم ، ولأهل نجد قرنا فهي لهم ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة ، ومن كان دونهن فمن أهله ، حتى أن أهل مكة يهلون منها .

قال أبو عمر : أجمع أهل العلم بالحجاز والعراق والشام وسائر أمصار المسلمين فيما علمت على القول بهذه الأحاديث واستعمالها لا يخالفون شيئا منها ، واختلفوا في ميقات أهل العراق ، وفيمن وقته ، فقال مالك ، والشافعي والثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم : ميقات أهل العراق وناحية المشرق كلها ذات عرق .

وقال الثوري ، ، والشافعي : إن أهلوا من العقيق ، فهو أحب إلينا ، وقال منهم قائلون : عمر بن الخطاب رضي الله عنه [ ص: 141 ] هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق ، لأن العراق في زمانه افتتحت ، ولم يكن في العراق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال آخرون : هذه غفلة من قائلي هذا القول بل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق والعقيق كما وقت لأهل الشام الجحفة والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق يومئذ دار كفر فوقت المواقيت لأهل النواحي ، لأنه علم أنه سيفتح الله على أمته الشام والعراق ، وغيرهما من البلدان ولم تفتح الشام ، ولا العراق جميعا إلا على عهد عمر ، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : منعت العراق دينارها ودرهمها ، ومنعت الشام إردبها ومديها وقفيزها بمعنى ستمنع عند أهل العلم ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار ، وقال - عليه السلام - : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها .

[ ص: 142 ] أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا هشام بن بهرام ، حدثنا المعافى عن أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام ومصر الجحفة ، ولأهل العراق ذات عرق ، ولأهل اليمن يلملم .

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الطائف قرنا ، وهي نجد ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل اليمن يلملم ، ولأهل العراق ذات عرق .

وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا [ ص: 143 ] وكيع ، قال : حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد ، عن محمد بن علي ، عن عبد الله بن عباس ، قال : وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المشرق العقيق .

قال أبو عمر : كل عراقي ، أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته والعقيق أحوط وأولى عندهم من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع وكره مالك - رحمه الله - أن يحرم أحد قبل الميقات ، وروي عن عمر بن الخطاب أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة .

وعن عثمان بن عفان أنه أنكر على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات وكره الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح الإحرام من الموضع البعيد ، وهذا من هؤلاء - والله أعلم - كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه ، وأن يتعرض لما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ، لأنه زاد ، ولم ينقص ويدلك على ما ذكرنا أن ابن عمر روى المواقيت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أجاز الإحرام قبلها من موضع بعيد ، هذا كله [ ص: 144 ] قول إسماعيل ، قال : وليس الإحرام مثل عرفات والمزدلفة التي لا يجاز بهما موضعهما قال : والذين أحرموا قبل الميقات من الصحابة ، والتابعين كثير ، قال : وحدثنا حفص بن عمر الحوضي ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة أن رجلا أتى عليا ، فقال : أرأيت قول الله - عز وجل - : وأتموا الحج والعمرة لله ، قال علي : أن تحرم من دويرة أهلك .

قال : وحدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع أن ابن عمر أهل من بيت المقدس ، وقال : لولا أن يرى معاوية أن بي غير الذي بي لجعلت أهل منه .

وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما والثوري والحسن بن حي : المواقيت رخصة وتوسعة يتمتع المرء بحله حتى يبلغها ، ولا يتجاوزها والإحرام قبلها فيه فضل لمن فعله وقوي عليه ، ومن أحرم من منزله ، فهو حسن لا بأس به .

وروي عن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود وجماعة من السلف أنهم قالوا في قول الله - عز وجل - : وأتموا الحج والعمرة لله قالوا : إتمامها أن تحرم من دويرة أهلك .

[ ص: 145 ] حدثنا خلف بن القاسم ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا سفيان عن محمد بن سوقة ، قال : سمعت سعيد بن جبير وسئل ما تمام العمرة ؟ فقال : أن تحرم من أهلك وأحرم ابن عمر ، وابن عباس من الشام وأحرم عمران بن حصين من البصرة وأحرم عبد الله بن مسعود من القادسية ، وكان الأسود ، وعلقمة وعبد الرحمن بن يزيد ، وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم .

قال أبو عمر : أحرم عبد الله بن عمر من بيت المقدس عام الحكمين وذلك أنه شهد التحكيم بدومة الجندل ، فلما افترق عمرو بن العاص ، وأبو موسى الأشعري من غير اتفاق نهض إلى بيت المقدس ، ثم أحرم منها بعمرة ، ومن أقوى الحجج لما ذهب إليه مالك في هذه المسألة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم من بيته بحجته وأحرم من ميقاته الذي وقته لأمته - صلى الله عليه وسلم - ، وما فعله ، فهو الأفضل - إن شاء الله - .

[ ص: 146 ] وكذلك صنع جمهور الصحابة ، والتابعين بعدهم كانوا يحرمون من مواقيتهم ، ومن حجة من رأى الإحرام من بيته أفضل قول عائشة ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه .

ومن حجتهم أيضا أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين ، وابن عمر ، وابن عباس أحرموا من المواضع البعيدة وهم فقهاء الصحابة ، وقد شهدوا إحرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته من ميقاته وعرفوا مغزاه ومراده ، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته - صلى الله عليه وسلم - .

ومن حجتهم أيضا ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن أبي فديك ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس ، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي ، عن جدته حكيمة ، عن أم سلمة زوج النبي - عليه السلام - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من أهل [ ص: 147 ] بحجة ، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، أو وجبت له الجنة . شك عبد الله أيهما قال .

واختلف الفقهاء في الرجل المريد للحج والعمرة يجاوز ميقات بلده إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة مثل أن يترك أهل المدينة الإحرام من ذي الحليفة حتى يحرموا من الجحفة فتحصيل مذهب مالك أن من فعل ذلك فعليه دم ، وقد اختلف في ذلك أصحاب مالك ، فمنهم من أوجب الدم ، ومنهم من أسقطه ، وأصحاب الشافعي على إيجاب الدم في ذلك ، وهو قول الثوري ، والليث بن سعد .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لو أحرم المدني من ميقاته كان أحب إليهم ، فإن لم يفعل وأحرم من الجحفة ، فلا شيء عليه ، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور .

وكره أحمد بن حنبل وإسحاق مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة ، ولم يوجب الدم في ذلك .

وقد روي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة .

[ ص: 148 ] وقال ابن القاسم : قال لي مالك : كل من مر بميقات ليس هو له بميقات فليحرم منه مثل أن يمر أهل الشام ، وأهل مصر من العراق قادمين فعليهم أن يهلوا من ذات عرق ميقات أهل العراق ، وكذلك إن قدموا من اليمن أهلوا من يلملم ، وإن قدموا من نجد ، فمن قرن ، وكذلك جميع أهل العراق ، ومن مر منهم بميقات ليس له فليهل من ميقات أهل ذلك البلد إلا أن مالكا ، قال لي غير مرة في أهل الشام ، وأهل مصر إذا مروا بالمدينة ، فأرادوا أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة فذلك لهم ، قال ابن القاسم : لأنها طريقهم ، قال مالك : والفضل لهم في أن يحرموا من ميقات أهل المدينة ، واختلفوا فيمن جاوز الميقات ، وهو يريد الإحرام فأحرم ، ثم رجع إلى الميقات ، فقال مالك : إذا جاوز الميقات ، ولم يحرم منه فعليه دم ، ولا ينفعه رجوعه ، وهو قول أبي حنيفة وعبد الله بن المبارك ، وقال مالك : من أراد الحج والعمرة فجاوز الميقات ، ثم أحرم وترك الإحرام من الميقات فليمض ، ولا يرجع مراهقا كان أو غير مراهق وليهرق دما قال : وليس لمن تعدى الميقات فأحرم أن يرجع إلى الميقات فينقض إحرامه ، قال إسماعيل : لأنه قد وجب عليه الدم لتعديه ما أمر به ، فلا وجه لرجوعه .

[ ص: 149 ] وقال مالك : من جاوز الميقات ممن يريد الإحرام جاهلا فليرجع إلى الميقات إن لم يخف فوات الحج ، ولا شيء عليه ، وإن خاف فوات الحج أحرم من موضعه ، وكان عليه دم لما ترك من الإحرام من الميقات .

وقال الشافعي ، والأوزاعي ، وأبو يوسف ومحمد : إذا رجع إلى الميقات فقد سقط عنه الدم لبى ، أو لم يلب .

وقد روي عن أبي حنيفة أنه إن رجع إلى الميقات فلبى سقط عنه الدم ، وإن لم يلب لم يسقط عنه الدم ، وكلهم يقول إنه إن لم يرجع وتمادى فعليه دم . وللتابعين في هذه المسألة أقاويل هذه أحدها أنه لا شيء على من ترك الميقات هذا قول عطاء والنخعي وقول آخر أنه لا بد له أن يرجع إلى الميقات إذا تركه ، فإن لم يرجع حتى قضى حجه ، فلا حج له .

هذا قول سعيد بن جبير وقول آخر ، وهو أن يرجع إلى الميقات كل من تركه ، فإن لم يفعل حتى تم حجه رجع [ ص: 150 ] إلى الميقات ، وأهل منه بعمرة روي هذا عن الحسن البصري ، فهذه الأقاويل الثلاثة شذوذ ضعيفة عند فقهاء الأمصار ، لأنها لا أصل لها في الآثار ، ولا تصح في النظر .

واختلفوا في العبد يجاوز الميقات بغير نية إحرام ، ثم يحرم ، فقال مالك : أيما عبد جاوز الميقات ، ولم يأذن له سيده في الإحرام ، ثم أذن له بعد مجاوزته الميقات فأحرم ، فلا شيء عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي .

وقال أبو حنيفة : عليه دم لتركه الميقات ، وكذلك إن عتق .

واضطرب الشافعي في هذه المسألة فمرة قال في العبد : عليه دم لتركه الميقات كما قال أبو حنيفة ، وقال في الكافر يجاوز الميقات ثم يسلم : لا شيء عليه ، قال وكذلك الصبي يجاوزه ، ثم يحتلم فيحرم : لا شيء عليه ، وقال مرة أخرى : لا شيء على العبد ، وعلى الصبي والكافر يسلم : الفدية إذا أحرما من مكة ، قال : عليهم ثلاثتهم دم ، وهو تحصيل مذهبه .

قال أبو عمر : الصحيح - عندي - في هذه المسألة أنه لا شيء على واحد منهم ، لأنه لم يخطر بالميقات مريدا للحج [ ص: 151 ] ، وإنما تجاوزه وهو غير قاصد الحج ، ثم حدثت له حال بمكة فأحرم منها فصار كالمكي الذي لا دم عليه عند الجميع .

وقال مالك : من أفسد حجته ، فإنه يقضيها من حيث كان أحرم بالحجة التي أفسد ، وهو قول الشافعي ، وهذا عند أصحابهما على الاختيار .

واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم والثوري ، وأبو ثور على أن من مر بالميقات لا يريد حجا ، ولا عمرة ، ثم بدا له في الحج ، أو العمرة ، وهو قد جاوز الميقات ، أنه يحرم من الموضع الذي بدا له منه الحج ، ولا يرجع إلى الميقات ، ولا شيء عليه .

وقال أحمد وإسحاق يرجع إلى الميقات ويحرم منه .

وأما حديث مالك ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أهل من الفرع محتملة ، عند أهل العلم على أنه مر بميقاته لا يريد إحراما ثم بدا له فأهل منه ، أو جاء إلى الفرع من مكة ، أو غيرها ، ثم بدا له في الإحرام .

هكذا ذكر الشافعي ، وغيره في معنى حديث ابن عمر هذا ومعلوم أن ابن عمر روى حديث المواقيت ومحال أن [ ص: 152 ] يتعدى ذلك مع علمه به ، فيوجب على نفسه دما ، هذا لا يظنه عالم - والله أعلم - .

وأجمعوا كلهم على أن من كان أهله دون المواقيت ، أن ميقاته من أهله حتى يبلغ مكة ، على ما في حديث ابن عباس .

وفي هذه المسألة أيضا قولان شاذان ، أحدهما لأبي حنيفة ، قال : يحرم من موضعه ، فإن لم يفعل ، فلا يدخل الحرم إلا حراما ، فإن دخله غير حرام فليخرج من الحرم وليهل من حيث شاء من الحل ، والقول الآخر لمجاهد ، قال : إذا كان الرجل منزله بين مكة والميقات أهل من مكة .




الخدمات العلمية