الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل رؤية الرب إمكانها بالعقل وإثباتها بالشرع

فصل : ثبت بالفعل إمكان رؤيته تعالى ، وبالشرع وقوعها في الآخرة ، فاتفق الشرع والعقل على إمكان الرؤية ووقوعها ، فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود ، وما كان أكمل وجودا كان أحق أن يرى ، فالباري سبحانه أحق أن يرى من كل ما سواه ، لأن وجوده أكمل من كل موجود سواه .

يوضحه : أن تعذر الرؤية إما لخفاء المرئي ، وإما لآفة وضعف في الرائي ; والرب سبحانه أشهر من كل موجود ، وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه ، فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة البصر في غاية القوة لأنها دائمة ، فقويت على رؤيته تعالى ، وإذا جاز أن يرى ، فالرؤية المعقولة له عند جميع بني آدم ، عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم ، أن يكون المرئي مقابلا للرائي مواجها له بائنا عنه ، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك ، وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينة المرئي لزم ضرورة أن يكون مرئيا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه ، وقد دل النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم ، لا من تحتهم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رءوسهم ، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، وقال : يا أهل الجنة . سلام عليكم ، ثم قرأ : ( سلام قولا من رب رحيم ) ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم " فلا يجتمع للإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة ، ولهذا فإن الجهمية المغول تنكر علوه على خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة ; ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون العلو ، وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة المرئي ومباينته ، وهذا رد لما هو مركوز في الفطر والعقول .

[ ص: 211 ] قال المنكرون : الإنسان يرى صورته في المرآة وليست صورته في جهة منها .

قال العقلاء : هذا هو التلبيس ، فإنه إنما يرى خيال صورته ، وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل ، هو في جهة منه ، ولا يرى حقيقة صورته القائمة به ، والذين قالوا : يرى من غير مقابلة ولا يرى حقيقة صورته القائمة به ، والذين قالوا : يرى من غير مقابلة ولا مباينة قالوا : الصحيح الرؤية في الوجود ، وكل موجود يصح أن يرى ، فالتزموا رؤية الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني كلها ، وجواز أكلها وشربها وشمها ولمسها ، فهذا منتهى عقولهم .

الوجه التاسع والأربعون : إن من ادعى معارضة الوحي بعقله لم يقدر الله حق قدره ، وقد ذم الله سبحانه وتعالى من لم يقدر الله حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه : أحدها قوله : ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) ، الثاني قوله تعالى : ( ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) ، الثالث قوله تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل ، وإنزاله الكتب عليهم ; فهذا حقيقة قول من قال : إنه لا يتكلم ولا ينزل منه إلى الأرض كلام ، ومعلوم أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته وحكمته ، ولم يقدره حق قدره من عبد إلها غيره ، ولم يقدره من جحد صفات كماله .

وقد وصف نفسه سبحانه بأنه العلي العظيم ، فحقيقة قول النفاة المعطلة أنه ليس علي ولا عظيم ; فإنهم يردون علوه وعظمته إلى مجرد أمر معنوي ، كما يقال : الذهب أعلى وأعظم من الفضة ، وقد صرحوا بذلك وقالوا : معناه علي القدر عظيم القدر .

قال شيخنا : فيقال لهم : أتريدون أنه في نفسه علي الذات عظيم القدر ، وأن له في نفسه قدرا عظيما ، أم تريدون أن عظمته وقدره في النفوس فقط ؟ فإن أردتم الأول فهو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل ، وإذا كان في نفسه عظيم القدر فهو في [ ص: 212 ] قلوب الخلق كذلك ، فلا يحصي أحد ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه ، ولا يقدر أحد قدره ولا يعلم عظم قدره إلا هو ، وتلك صفة يمتاز بها ويختص بها عن خلقه ، كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية : إنه في المخلوقات نحن نعلم مخلوقات كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء وإن أضفتم ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون هناك صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به ، فذاك اعتقاد لا حقيقة له ، وصاحبه قد عظمه بأن اعتقد فيه عظمة لا حقيقة لها ، وذلك اعتقاد يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم ، وإن قالوا : بل نريد معنى ثالثا لا هذا ولا هذا ، وهو أن له في نفسه قدرا يستحقه ، لكنه قدر معنوي ، قيل لهم : أتريدون أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره وصفات عظيمة يتميز بها ، وذاتا عظيمة يمتاز بها عن الذوات وماهية أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني المعقولة ؟ فذلك أمر وجودي محقق ، وإذا أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه المخلوق ، فهو في حق الخالق قدر يليق بعظمته وجلاله ، وفي حق المخلوق قدر يناسبه كما قال تعالى : ( قد جعل الله لكل شيء قدرا ) فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه ، والقدر يكون علميا ويكون عينيا ، فالأول هو التقدير العلمي ، وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب ، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا ، ومن هذا تقدير الله سبحانه وتعالى لمقادير الخلق في علمه وكتابه قبل تكوينها ، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه ، والقدر الإلهي نوعان : أحدهما في العلم والكتابة ، والثاني خلقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي يخلق بها الأشياء ، والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا ، والعباد لا يقدرون الخالق قدره ، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره ، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم كما قال تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) ، وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة ، من المشركين واليهود وغيرهم ، وقال تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره ) ولم يقل قدروا الله قدره ، فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره ، فهو حق عليهم لقدره سبحانه وتعالى ، فجحدوا ذلك الحق وأنكروه ، وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية ، وذلك إنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله [ ص: 213 ] كجحودهم أنه يتكلم أو يعلم الجزيئات أو يقدر على إحداث فعل ، فشبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك ، فمن أقر بما أرسل به رسله ، وأنه عالم متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم ، قادر على الإرسال فقد قدره حق قدره من هذا الوجه ، وإن لم يقدره حق قدره مطلقا .

ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا في ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ، ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه ، ولم يتناولهم هذا الوصف ، فإن التعظيم له سبحانه بالمعرفة والعبادة ، ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده ، وأعانهم عليه ورضي منهم بما قدروه من ذلك ، وإن كانوا لا يقدرونه حق قدره ، ولا يقدر أحد من العباد قدره ، فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا ، والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك ، فكيف يقدره حق قدره من عبد معه غيره وجعل له ندا ، وأنكر صفاته وأفعاله ؟ بل كيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلا عن أن يقبض بهما شيئا ؟ فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة ، وإنما ذلك مجاز .

وقد شرح تعالى لعباده ذكر هذين الاسمين : العلي ، العظيم ، في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح ، لما نزلت : ( فسبح باسم ربك العظيم ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اجعلوها في ركوعكم " ، فلما نزلت : ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : " اجعلوها في سجودكم " فهو سبحانه كثيرا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين ، كقوله : ( وهو العلي العظيم ) ، وقوله : ( وهو العلي الكبير ) ، وقوله : ( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ) ثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته ، والعلو رفعته ، والعظمة قدره ذاتا ووصفا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث