الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حرف النفي قد يدخل على الماهية

جزء التالي صفحة
السابق

مسألة حرف النفي قد يدخل على الماهية

والمراد نفي الأصل ، كقوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } وقوله : { فاليوم لا يخرجون منها } وقد يراد به نفي الكمال مع بقاء الأصل ، كقوله تعالى : { إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } ثم قال : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } فنفاها أولا ، ثم أثبتها ثانيا ، فدل على أنه لم يرد نفي الأصل ، بل نفي الكمال . وهذا كله إنما أخذ من القرينة ، فأما عند الإطلاق كقوله : { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } و { لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل } و { لا نكاح إلا بولي } ، و { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } ونحوه ، فاختلفوا هل هي مجملة أم لا ؟ فنقل الإجمال عن القاضيين أبي بكر ، وعبد الجبار ، والجبائيين أبي علي وابنه ، وأبي عبد الله البصري . قال ابن برهان : إلا أن الجبائيين ادعيا الإجمال من وجه ، والقاضي من وجه آخر . وقال ابن الإبياري : إنما صار القاضي [ ص: 75 ] إلى الإجمال ، لأنه نفى الأسماء الشرعية ، والذي دل اللفظ على نفيه موجود ، فافتقر إلى التقدير ، وتعدد المقدر . ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الرأي . ونقل المازري عن القاضي أبي بكر الوقف . قال : وهو غير مذهب الإجمال ، فيقول : يحتمل عندي نفي الإجزاء ونفي الكمال لا أكثر من ذلك ، حتى يقوم دليل على أحد الأمرين : والقائل بالإجمال يقول : إنه يستغرق جميع الأشياء الصالحة للنفي . قلت : وهذا ظاهر كلام القاضي في " التقريب " . بل صرح في صدر كلامه بأنه بمجمل . وذهب الجمهور إلى أنها عامة ، منهم : القفال الشاشي ، والأستاذ أبو إسحاق ، ونقله إمام الحرمين في " التلخيص " ، وابن القشيري عن معظم الفقهاء ، وصححه ابن برهان ، وابن السمعاني ، وحكاه عن الأصحاب ، وقال ابن القطان : إنه الظاهر . قال : وتجاهل قوم فقالوا : ليس فيه دلالة على دفعه .

قال شارح " اللمع " : واختلفوا إلى ماذا يعود النفي على وجهين : أحدهما : إلى نفي المذكور ، وهو النكاح الشرعي ، والصلاة الشرعية ، والصوم الشرعي ، لأنه الذي ورده به الشرع ، وذلك لم يوجد مع شرطه المذكور ، فاستغنى هذا عن دعوى العموم في المضمر ، وعن حمل الكلام على التناقض ، وعلى معنيين مختلفين ، لأن النبي ( عليه السلام ) بعث لبيان الشرعيات .

وقيل : بل يرجع إلى الصفات التي يقع بها الاعتداد في الكفاية ، كما يرجع النفي عند أهل اللسان في قول القائل ليس في البلد سلطان ، على نفي الصفات التي يقع بما الكفاية ، وهذه الصفات وإن لم تكن مذكورة ، فهي معقولة من ظاهر اللفظ فنزلت منزلة الملفوظ به . [ ص: 76 ] وقال بعض المتأخرين : اختلف الأصوليون في النفي إذا وقع في الشرع على ماذا يحمل ، فقال بعضهم يلحق بالمجملات ، لأن نفيه يقتضي نفي الذوات ، ومعلوم ثبوتها حسا ، فقد صار المراد مجهولا . وهذا الذي قالوه خطأ ، فإن المعلوم من عادة العرب أنها لا تضع هذا النفي للذات في كل مكان ، وإنما تورده مبالغة ، فتذكر الذات ، ليحصل لها ما أرادت من المبالغة .

وقال آخرون : بل يحمل على نفي الذات ، وسائر أحكامها ، ويخص الذات بالدليل على أن النبي عليه السلام لم يرده .

وقال قوم : لم تقصد العرب إلى نفي الذات ، ولكن لنفي أحكامها ، ومن أحكامها الكمال والإجزاء ، فيحمل اللفظ على العموم فيها . وأنكر هذا بعض المحققين ، لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى ، ولا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء ، فإذا قدر الإجزاء منفيا لتحقق العموم ، قدر ثابتا لتحقق إشعار نفي الكمال بثبوته ، وهذا يتناقض ، وما يتناقض لا يحتمل الكمال ، وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإجزاء ونفي الكمال ، وادعوا الاحتمال من هذه الجهة ، لا بما قال الأولون ، فعلى هذه المذاهب يخرج { لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب } . والقائلون اختلفوا في سببه على ثلاثة مذاهب .

أحدها : أنها ظاهرة في نفي الوجود ، وهو لا يمكن ، لأنه واقع قطعا ، فاقتضت إيهاما .

والثاني : أنها ظاهرة في نفي الوجود ، ونفي الحكم ، فصار مجملا .

والثالث : أنها مترددة بين نفي الجواز ونفي الوجود . قال المقترح : وهو الأليق بمذهب القاضي .

قلت : قد سبق التصريح به عنه في كتاب " التقريب " . وصرح بنقله عنه ابن القشيري ، ورده . [ ص: 77 ] وقال القاضي أبو الطيب : الصحيح حمل اللفظ على نفي المنطوق به ، دون صفته لأنه ظاهر اللفظ ، ويغني عن دعوى العموم فيه ، يعني أنه يلزم من نفي الأصل نفي صفته . وقال الأستاذ أبو منصور : الصحيح عندنا أن لفظ النفي في الشرع يقتضي نفي العين ، كقوله : { لا نكاح إلا بولي } ، و { لا صلاة إلا بطهور } فأما قوله : { لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله } فإنما أراد ذكر القلب ، ولا يصح بدونه .

وقوله : { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } أراد بالمسجد المكان الطاهر ، بدليل قوله : { جعلت لي الأرض كلها مسجدا } انتهى .

وأجاز الشيخ أبو حامد تقدير نفي الصحة ، وحكى عن أهل العراق نفي الكمال ، وعن بعض أصحابنا أنه يقتضي نفي الأمرين جميعا . واختار إمام الحرمين والغزالي أن النفي ظاهر في الإجزاء . محتمل على الخفاء لنفي الكمال ، فإن عضده دليل قوي يزيد على قوة الظهور انصرف إلى الكمال وإلا فهو ظاهر في الإجزاء . فعرف الشرع عندهم عرف مقصود ، وله في الألفاظ اللغوية تصرف ، ومعنى الإجزاء عندهم أسماء الصورة الشرعية . وقال الماوردي : إذا كان الحكم مطلقا يحتمل الجواز ، ونفي الكمال . قال : ويجري على مذهب من قال : " يوقف المحتمل " يجعل هذا موقوفا ، لأنه محتمل ، والقائلون بالعموم اختلفوا : هل النفي انصب إلى الأعيان والأحكام فهو عام فيهما ، ثم خصت الأعيان بدليل الحس أو العقل ، وبقيت الأحكام على موجبها ، ويجري ذلك مجرى تخصيص اللفظ العام ، أو انصب إلى الأحكام فقط ، ولا يقدر دخول الأعيان ليحتاج إلى تخصيصه ، لأنه عليه السلام [ ص: 78 ] لم يتعرض للمحسوسات ، فهو عام بالنسبة إلى أفراد الأحكام على قولين حكاهما إمام الحرمين وغيره .

قال ابن القشيري : والمختار أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز ، مؤول في نفي الكمال ، فيحمل عند الإطلاق على نفي الجواز ، ولا يحمل على نفي الكمال إلا بدليل ، وهكذا اختاره الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني ، والإمام في " البرهان " ، والغزالي في " المنخول " ، والماوردي ، والروياني في كتاب القضاء ، ونقله أبو بكر الرازي في كتابه عن عيسى بن أبان ، ثم قال : إنه الصحيح . وجزم به ابن القطان . قال : وللتعبير عنه طريقان : إما أن يقول : هو باطل ، أو يقول : لا كذا إلا بكذا ، فظاهر البطلان إلا أن يقوم دليل يصرفه عنه إلى الكمال والفضيلة . قال : وهذا من آكد ما يخاطب به في إيجاب الشيء .

ثم قال إمام الحرمين في " التلخيص " تبعا للقاضي : الذي نرتضيه إلحاق اللفظ بالمحتملات لتردد اللفظ بين الجواز والكمال ، ويستحيل الحمل عليهما جميعا ، ولا طريق إلى التوقف لتعين لفظ المحتملين .

فإن قيل : هذا هو المذهب الأول في ادعاء الإجمال . قلنا : الفرق بينهما أن الذين ادعوا الإجمال أولا استندوا إلى توقع نفي الأعيان ، وهو مستحيل ، ونحن أسندنا ادعاء الإبهام إلى الأحكام . قال : ثم هذا كله إذا قلنا بإثبات صيغ العموم ، فإن منعناه لم نحتج إلى إيضاح وجه الإجمال .

قال الأستاذ أبو إسحاق : فقوله : { لا صلاة إلا بطهور } من قال : إن النفي تعلق بالعين ، منع من الاستدلال به على جواز الصلاة وفسادها . وقال : إن النفي يتعلق بالصورة ، وقد وجدت ، والمصير إلى الجواز والكمال لا بد له من دليل ، ومن جعله عاما في الجميع زعم أنه يوجب نفي الحكم ، [ ص: 79 ] وثبوت العين بالدليل لا يمنع من استعمال الظاهر فيما بعده . وقال : هذا هو الصحيح . ا هـ .

والمختار ، وعليه جماعة أنه إن دخل على مسمى شرعي ، كالصلاة ، فالمراد نفي الصحة لإمكان حمله عليه ، فلا إجمال ، وإن دخل على مسمى حقيقي ، نظر فيه فإن لم يكن إلا حكم واحد تعين كقوله : لا شهادة لمجلود في قذف ، إذ لا يراد به نفي الفضيلة ، وإن كان حكمان : الفضيلة ، والجواز فهو مجمل ، لعدم التعين ، ونحو : ( لا يستوي ) لا يسمى مجملا عند من لا يقول بعمومه .

فائدة المقدر في قوله { لا صلاة لجار المسجد } منع ابن الدهان النحوي تقدير من قدر { لا صلاة لجار المسجد } ، بقوله : لا صلاة كاملة : من جهة الصناعة ، لأن الصناعة لا يجوز حذفها ، فلا يجوز حذف بعضها . قال : وإنما التقدير لا كمال صلاة ، فحذف المضاف فأقام المضاف إليه مقامه ، وكذا قال العبدري في " شرح المستصفى " : من قدر لا صيام صحيح أو مجمل ، فقد أبعد . لأن حذف الصفة وإبقاء الموصوف غير معروف في كلام العرب ، لم يأت إلا في قولهم : سيري سير ، وألفاظ قليلة ، وإنما المعروف ، وهو حذف الموصوف وإبقاء الصفة . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث