الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 258 ] ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين

فيها كان فتح قبرس في قول أبي معشر وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم .

وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية حين نقض أهلها العهد .

وفيها سير أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام ، وكان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر ، فكتب إلى عثمان في أمرهم ، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام ، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد خرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم . فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد ، فأجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة ، فاحتملهم معاوية لحلمه ، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والثناء عليه والصلاة والتسليم ، وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه ، وقال فيما قال : وأظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما . فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ، قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبي سفيان ؛ من خلقه الله [ ص: 259 ] بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البر والفاجر ، والأحمق والكيس . ثم بذل لهم النصح مرة أخرى ، فإذا هم يتمادون في غيهم ، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم ، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام ؛ لئلا يشوشوا عقول الطغام ، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش ، كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه ؛ من نصرة الدين ، وقمع المفسدين . وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب ، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص ، وكانوا عشرة ، وقيل : تسعة ، وهو الأشبه ، منهم كميل بن زياد ، والأشتر النخعي - واسمه مالك بن الحارث ، وصعصعة بن صوحان ، وأخوه زيد بن صوحان ، ومالك بن كعب الأرحبي ، والأسود بن يزيد ، وعلقمة بن قيس النخعيان ، وثابت بن قيس النخعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي . فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة ، فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان نائبا على الجزيرة ، ثم ولي حمص بعد ذلك - فهددهم وتوعدهم ؛ فاعتذروا إليه ، وأنابوا إلى الإقلاع عما كانوا عليه ، فدعا لهم وسير مالكا الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ؛ ليعتذر [ ص: 260 ] إليه عن أصحابه بين يديه ، فقبل ذلك منهم وكف عنهم ، وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا ، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقدموا عليه حمص ، فأمرهم بالمقام بالساحل ، وأجرى عليهم الرزق . ويقال : بل لما مقتهم معاوية ، كتب فيهم إلى عثمان ، فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ، فردهم إليه ، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة ، وأكثر شرا ، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان ، فأمره أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص ، وأن يلزموا الدروب .

وفي هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله ، رضي الله عنه ، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك وهو البار الراشد ، رضي الله عنه .

وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وتقبل الله منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث