الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها

987 - ( عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس } . متفق عليه ، وفي لفظ : { لا صلاة بعد صلاتين ، بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب } رواه أحمد والبخاري ) .

988 - ( وعن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس } . ورواه أبو هريرة مثل ذلك متفق عليهما .

وفي لفظ عن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس } رواه البخاري ورواه أحمد وأبو داود وقالا فيه : بعد صلاة العصر ) .

التالي السابق


في الباب عن جماعة من الصحابة . منهم عمرو بن عبسة وابن عمر وسيذكر ذلك المصنف . وعن ابن مسعود عند الطحاوي بلفظ { كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس . وعند غروبها ونصف النهار } . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني في الأوسط قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تصلوا بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس } وعن معاذ ابن عفراء أشار إليه الترمذي وذكره ابن سيد الناس في شرحه بنحو حديث أبي سعيد .

وعن زيد بن ثابت عند الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى عن الصلاة بعد العصر } وعن كعب بن مرة عند الطبراني أيضا بنحو حديث عمرو بن عبسة [ ص: 106 ] الآتي . وعن سلمة بن الأكوع أشار إليه الترمذي .

وعن علي عند أبي داود قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر } وفي الباب عن جماعة ذكرهم الترمذي والحافظ في التلخيص . قوله : ( لا صلاة ) قال ابن دقيق العيد : صيغة النفي إذا دخلت في ألفاظ الشارع على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي ، لأنا لو حملناه على نفي الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار والأصل عدمه ، وإذا حملناه على الشرعي لم نحتج إلى إضمار فهذا وجه الأولوية ، وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي .

والتقدير : لا تصلوا ، كما تقدم التصريح بذلك في حديث أبي هريرة وابن عمرو بن العاص ، وسيأتي حديث علي ، وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم قالوا : إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنه لا يتطوع بعدهما ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب .

ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن كما قال الحافظ عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس نقية } .

وفي رواية " مرتفعة " فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه ، وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما كذا في الفتح قوله : ( بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر ) هذا تصريح بأن الكراهة متعلقة بفعل الصلاة لا بدخول وقت الفجر والعصر .

وكذا قوله في الرواية الأخرى { لا صلاة بعد الصلاتين } وكذا قوله في رواية ابن عمر { لا صلاة بعد صلاة الصبح } وكذا قوله : في حديث عمرو بن عبسة الآتي { صل صلاة الصبح ثم أقصر } . وقوله : { حتى تصلي العصر ثم أقصر } فتحمل الأحاديث المطلقة على الأحاديث المقيدة بهذه الزيادة .

، وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر وبعد الفجر ، فذهب الجمهور إلى أنها مكروهة ، وادعى النووي الاتفاق على ذلك ، وتعقبه الحافظ بأنه قد حكي عن طائفة من السلف الإباحة مطلقا وأن أحاديث النهي منسوخة .

قال : وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر ، وبذلك جزم ابن حزم ، وهو أيضا مذهب الهادي والقاسم عليهما السلام ، وقد اختلف القائلون بالكراهة ، فذهب الشافعي والمؤيد بالله إلى أنه يجوز من الصلاة في هذين الوقتين ما له سبب . واستدلا بصلاته صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد العصر ، وقد تقدم الجواب عن هذا الاستدلال في باب تحية المسجد ، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة التطوعات في هذين الوقتين مطلقا .

وحكي عن جماعة منهم أبو بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات .

واستدل القائلون بالإباحة مطلقا بأدلة منها دعوى النسخ لأحاديث الباب ، صرح بذلك ابن حزم وغيره وجعلوا الناسخ حديث { من أدرك من [ ص: 107 ] الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس ، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس } وقد تقدم ، ولكنه خاص بصلاة الفرض فلا يصلح لنسخ أحاديث الباب على فرض تأخره . وغاية ما فيه تخصيص صلاة الفريضة من عموم النهي .

واستدلوا أيضا بحديث صلاته صلى الله عليه وسلم لركعتي الظهر بعد العصر ، وقد تقدم الجواب عنه . واستدلوا أيضا بحديث علي المتقدم لتقييد النهي فيه بقوله : " إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية " وقد تقدم أن الحافظ قال في الفتح : إن إسناده حسن ، وقال في موضع آخر منه : إن إسناده صحيح وهذا وإن كان صالحا لتقييد الأحاديث المذكورة في الباب القاضية بمنع الصلاة بعد صلاة العصر على الإطلاق بما عدا الوقت الذي تكون الشمس فيه بيضاء نقية ، لكنه أخص من دعوى مدعي الإباحة للصلاة بعد العصر وبعد الفجر مطلقا .

واستدلوا أيضا بما رواه مسلم عن عائشة أنها قالت : وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها .

وبما رواه البخاري عن ابن عمر أنه قال : أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ولا أنهى أحدا يصلي بليل أو نهار ما شاء غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها . ويجاب عن الاستدلال بقول عائشة : بأن الذي رواه عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثابت من طريق جماعة من الصحابة كما تقدم ، فلا اختصاص له بالوهم وهم مثبتون وناقلون للزيادة ، فروايتهم مقدمة وعدم علم عائشة لا يستلزم العدم ، فقد علم غيرها بما لم تعلم .

ويجاب عن الاستدلال بقول ابن عمر بأنه قول صحابي لا حجة فيه ولا يعارض المرفوع . على أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما رآه كما سيأتي واستدلوا أيضا بما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها } قالوا : فتحمل الأحاديث المذكورة في الباب على هذا حمل المطلق على المقيد ، أو تبنى عليه بناء العام على الخاص .

ويجاب بأن هذا من التنصيص على أحد أفراد العام وهو لا يصلح للتخصيص كما تقرر في الأصول . واعلم أن الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة العصر والفجر عامة ، فما كان أخص منها مطلقا كحديث يزيد بن الأسود وابن عباس في الباب الذي بعد هذا وحديث علي المتقدم ، وقضاء سنة الظهر بعد العصر وسنة الفجر بعده للأحاديث المتقدمة في ذلك ، فلا شك أنها مخصصة لهذا العموم ، وما كان بينه وبين أحاديث الباب عموم وخصوص من وجه كأحاديث تحية المسجد وأحاديث قضاء الفوائت .

وقد تقدمت ، والصلاة على الجنازة لقوله صلى الله عليه وسلم : { يا علي ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت } الحديث أخرجه الترمذي { وصلاة الكسوف لقوله صلى الله عليه وسلم : فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة } والركعتين عقب التطهر لحديث هريرة المتقدم .

وصلاة الاستخارة [ ص: 108 ] للأحاديث المتقدمة وغير ذلك فلا شك أنها أعم من أحاديث الباب من وجه وأخص منها من وجه . وليس أحد العمومين أولى من الآخر بجعله خاصا لما في ذلك من التحكم ، والوقف هو المتعين حتى يقع الترجيح بأمر خارج .

989 - ( وعن عمرو بن عبسة قال : { قلت : يا نبي الله أخبرني عن الصلاة ، قال : صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع ، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة ، فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار } . رواه أحمد ومسلم ولأبي داود نحوه ، وأوله عنده ، { قلت : يا رسول الله أي الليل أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر فصل ما شئت ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح } ) . قوله : ( وترتفع ) فيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس طلوع الشمس ، بل لا بد من الارتفاع . وقد وقع عند البخاري من حديث عمر المتقدم بلفظ " حتى تشرق الشمس " والإشراق : الإضاءة .

وفي حديث عقبة الآتي " حتى تطلع الشمس بازغة " وذلك يبين أن المراد بالطلوع المذكور في حديث الباب وغيره الارتفاع والإضاءة لا مجرد الظهور ، ذكر معنى ذلك القاضي عياض . قال النووي : وهو متعين لا عدول عنه للجمع بين الروايات . وقد ورد مفسرا في بعض الروايات بارتفاعها قدر رمح قوله : { فإنها تطلع بين قرني شيطان } قال النووي في المراد الشيطان : حزبه وأتباعه . وقيل : غلبة أتباعه وانتشار فساده . وقيل : القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره . قال : وهذا الأقوى . ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة ، وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط ظاهر وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشيطان .

وفي رواية لأبي داود والنسائي : { فإنها تطلع بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار } قوله : ( مشهودة محضورة ) أي تشهدها الملائكة ويحضرونها ، وذلك أقرب إلى القبول وحصول الرحمة قوله : ( حتى يستقل الظل بالرمح ) قال النووي : معناه [ ص: 109 ] أنه يقوم مقابله في الشمال ليس مائلا إلى المشرق ولا إلى المغرب وهذا حالة الاستواء انتهى .

والمراد أنه يكون الظل في جانب الرمح ولم يبق على الأرض من ظله شيء ، وهذا يكون في بعض أيام السنة ويقدر في سائر الأيام عليه قوله : ( تسجر جهنم ) بالسين المهملة والجيم والراء أي يوقد عليها إيقادا بليغا قوله : ( فإذا أقبل الفيء ) أي ظهر إلى جهة المشرق ، والفيء مختص بما بعد الزوال ، وأما الظل فيقع على ما قبل الزوال وبعده قوله : ( حتى تصلي العصر ) فيه دليل على أن وقت النهي لا يدخل بدخول وقت العصر ولا بصلاة غير المصلي ، وإنما يكره لكل إنسان بعد صلاته نفسه حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنفل قبلها وقد تقدم الكلام في ذلك .

وكذا قوله : " حتى تصلي الصبح " . قال المصنف رحمه الله: وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن النهي في الفجر لا يتعلق بطلوعه بل بالفعل كالعصر انتهى . والحديث يدل على كراهة التطوعات بعد صلاة العصر والفجر وقد تقدم ذلك . وعلى كراهتها أيضا عند طلوع الشمس وعند قائمة الظهيرة وعند غروبها ، وسيأتي الكلام على هذه الأوقات .

990 - ( وعن يسار مولى ابن عمر قال : { رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد ما طلع الفجر ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الساعة ، فقال : ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين } رواه أحمد وأبو داود ) وأخرجه أيضا الدارقطني والترمذي وقال : غريب لا يعرف إلا من حديث قدامة بن موسى .

قال الحافظ : وقد اختلف في اسم شيخه فقيل أيوب بن حصين . وقيل : محمد بن حصين . وهو مجهول . وأخرجه أبو يعلى من وجهين آخرين عن ابن عمر نحوه ورواه ابن عدي طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر ورواه أيضا الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفي إسناده الإفريقي . ورواه أيضا الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي سنده رواد بن الجراح ورواه أيضا البيهقي من حديث سعيد بن المسيب وقال : روي موصولا عن أبي هريرة ولا يصح . ورواه موصولا الطبراني وابن عدي وسنده ضعيف والمرسل أصح . والحديث يدل على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر . قال الترمذي : وهو مما أجمع عليه أهل العلم كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .

قال الحافظ في التلخيص : دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب ، فإن الخلاف فيه مشهور حكاه ابن المنذر وغيره . وقال الحسن البصري : لا بأس به ، وكان [ ص: 110 ] مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة الليل . وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في قيام الليل انتهى .

وطرق حديث الباب يقوي بعضها بعضا ، فتنتهض للاحتجاج بها على الكراهة . وقد أفرط ابن حزم فقال : الروايات في أنه لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر ساقطة مطروحة مكذوبة .

991 - ( وعن عقبة بن عامر قال { : ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن ، أو نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة ، وحين تضيف للغروب حتى تغرب } . رواه الجماعة إلا البخاري ) . قوله : ( أن نقبر ) هو بضم الباء الموحدة وكسرها لغتان . قال النووي : قال بعضهم : المراد بالقبر : صلاة الجنازة ، وهذا ضعيف ، لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع ، بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات ، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين .

قال : فأما إذا وقع الدفن بلا تعمد في هذه الأوقات فلا يكره . انتهى . وظاهر الحديث أن الدفن في هذه الأوقات محرم من غير فرق بين العامد وغيره إلا أن يخص غير العامد بالأدلة القاضية برفع الجناح عنه قوله : ( بازغة ) أي ظاهرة قوله : ( تضيف ) ضبطه النووي في شرح مسلم بفتح التاء والضاد المعجمة وتشديد الياء ، والمراد به الميل .

والحديث يدل على تحريم الصلاة في هذه الأوقات وكذلك الدفن . وقد حكى النووي الإجماع الكراهة . قال : واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها .

واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة التحية وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفوائت ، ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة ، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث انتهى . وجعله لصلاة الجنازة ههنا من جملة ما وقع فيه الخلاف ينافي دعواه الإجماع على عدم كراهتها كما تقدم عنه . ومن القائلين بكراهة قضاء الفرائض في هذه الأوقات زيد بن علي والمؤيد بالله والداعي والإمام يحيى ، قالوا : لشمول النهي للقضاء ، لأن دليل المنع لم يفصل .

واحتج القائلون بجواز قضاء الفرائض في هذه الأوقات وهم الهادي والقاسم والشافعي ومالك بقوله صلى الله عليه وسلم : { من نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها } الحديث المتقدم فجعلوه مخصصا لأحاديث الكراهة وهو تحكم لأنه أعم منها من وجه وأخص من [ ص: 111 ] وجه ، وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر ، وكذلك الكلام في فعل الصلاة المفروضة في هذه الأوقات أداء ، إلا أن حديث : { من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس ، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس } أخص من أحاديث النهي مطلقا فيقدم عليها . وقد استثنى الشافعي وأصحابه وأبو يوسف الصلاة عند قائمة الظهيرة يوم الجمعة خاصة ، وهي رواية عن الأوزاعي وأهل الشام .

واستدلوا بما رواه الشافعي عن أبي هريرة : { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة } وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهما ضعيفان . ورواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر عن عبد الله شيخ من أهل المدينة عن سعيد عن أبي هريرة . ورواه الأثرم بسند فيه الواقدي وهو متروك . ورواه البيهقي أيضا بسند آخر فيه عطاء بن عجلان وهو متروك أيضا ، وقد روى الشافعي عن ثعلبة بن أبي مالك عن عامة الصحابة أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة .

وفي الباب عن واثلة عند الطبراني ، قال الحافظ : بسند واه . وعن أبي قتادة عند أبي داود والأثرم { أنه صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة } ، وقال : { إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة } وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وهو أيضا منقطع لأنه من رواية أبي الخليل عند أبي قتادة ولم يسمع منه .

992 - ( وعن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ، ويواصل وينهى عن الوصال } . رواه أبو داود ) الحديث في إسناده محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء وفيه مقال ، إذ لم يصرح بالتحديث وهو هنا قد عنعن ، فينظر في عنعنته كما قال الحافظ ، وقد قدمنا في باب قضاء سنة الظهر ما يدل على اختصاص ذلك به صلى الله عليه وسلم . .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث