الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم

453 حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا أبو إسحق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن قال وفي الباب عن ابن عمر وابن مسعود وابن عباس قال أبو عيسى حديث علي حديث حسن

التالي السابق


( باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم ) أي ليس بواجب . وقد ذهب الجمهور إلى أن الوتر غير واجب بل سنة وخالفهم أبو حنيفة فقال : إنه واجب ، وروي عنه أنه فرض . قال الحافظ ابن حجر : وقد بالغ أبو حاتم فادعى أن أبا حنيفة انفرد بوجوب الوتر ولم يوافقه صاحباه . مع أن ابن أبي شيبة أخرج عن سعيد بن المسيب وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضحاك ، يدل على وجوبه عندهم وعنده عن مجاهد : الوتر واجب ، ولم يثبت ، ونقله ابن العربي عن أصبغ عن المالكية ووافقه سحنون وكأنه أخذه من قول مالك من تركه أدب وكان جرحة في شهادته ، انتهى .

[ ص: 441 ] قوله : ( الوتر ليس بحتم ) قال في النهاية : الحتم اللازم الواجب الذي لا بد من فعله ، انتهى ( ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي جعله مسنونا غير حتم ( إن الله وتر ) قال في النهاية : الوتر الفرد وتكسر واوه وتفتح ، فالله واحد في ذاته لا يقبل الانقسام والتجزئة ، واحد في صفاته فلا شبه له ولا مثل ، واحد في أفعاله فلا شريك له ولا معين ( يحب الوتر ) أي يثيب عليه ويقبله من عامله . قال القاضي : كل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم يكن له تلك المناسبة ( فأوتروا ) أمر بصلاة الوتر وهو أن يصلي مثنى مثنى ، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة أو يضيفها إلى ما قبلها من الركعات كذا في النهاية . قال ابن الملك : الفاء تؤذن بشرط مقدر كأنه قال : إذا اهتديتم إلى أن الله يحب الوتر فأوتروا ، انتهى ( يا أهل القرآن ) أي أيها المؤمنون به ، فإن الأهلية عامة لمن آمن به سواء قرأ أم لم يقرأ ، إن كان الأكمل منهم من قرأ وحفظ وعلم وعمل شاملة ممن تولى قيام تلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه .

قوله : ( وفي الباب عن ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ) أما حديث ابن عمر فأخرجه مالك في الموطأ بلاغا أن رجلا سأل ابن عمر عن الوتر أواجب هو ؟ فقال عبد الله : قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتر المسلمون ، فجعل الرجل يردد عليه وعبد الله يقول أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتر المسلمون : وأما حديث ابن مسعود فأخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل من طريق أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن ، فقال أعرابي ما يقول النبي ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليست لك ولا لأحد من أصحابك . وفي رواية ما يقول رسول الله ؟ قال : لست من أهله . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي مرفوعا : ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع : النحر والوتر وركعتا الضحى . هذا لفظ أحمد ، وهو حديث ضعيف كما بينه الحافظ في التلخيص : وفي الباب عن عبادة بن الصامت أخرجه الحاكم بلفظ : قال : الوتر حسن جميل عمل به النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده وليس بواجب ، ورواته ثقات قاله البيهقي كذا في التلخيص

قوله : ( حديث علي حديث حسن ) وأخرجه النسائي وصححه الحاكم .

[ ص: 442 ] اعلم أن الجمهور قد استدلوا على عدم وجوب الوتر بأحاديث الباب وبحديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر على بعيره رواه الجماعة ، وهو ظاهر في عدم الوجوب ؛ لأن الفريضة لا تصلى على الراحلة . وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ، وبما روى عبد الله بن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول إن الوتر واجب ، قال : فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته فقال عبادة : كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة الحديث ، أخرجه أبو داود وأحمد وقد عقد الحافظ محمد بن نصر المروزي في كتابه قيام الليل بابا بلفظ : باب الأخبار الدالة على أن الوتر سنة وليس بفرض ، وذكر فيها أحاديث ، وآثارا كثيرة من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه .

واستدل من قال بوجوب الوتر بحديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ، رواه الشيخان ، وتعقب بأن صلاة الليل ليست بواجبة فكذا آخره وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليل كذا في فتح الباري .

قلت : هذا الحديث إنما يدل على وجوب جعل آخر صلاة بالليل وترا لا على وجوب نفس الوتر والمطلوب هذا لا ذا : فالاستدلال به على وجوب الوتر غير صحيح ، وكذا الاستدلال بحديث جابر رضي الله عنه : أوتروا قبل أن تصبحوا ، رواه الجماعة إلا البخاري ليس بصحيح ، فإنه إنما يدل على وجوب الإيتار قبل الإصباح لا على وجوب نفس الإيتار .

واستدلوا أيضا بحديث بريدة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا ، الحديث رواه أبو داود . قال الحافظ في الفتح : في سنده أبو المنيب وفيه ضعف ، وعلى تقدير قبوله فيحتاج من احتج به إلى أن يثبت أن لفظ حق بمعنى واجب في عرف الشارع ، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد ، انتهى .

واستدلوا أيضا بحديث : إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم الوتر . الحديث وقد تقدم في باب فضل الوتر ، وقد عرفت هناك الجواب عنه .

قال ابن قدامة في المغني بعد ذكر أحاديث القائلين بوجوب الوتر ما لفظه : وأحاديثهم قد تكلم فيها ، ثم إن المراد بها تأكيده وفضيلته وأنه سنة مؤكدة وذلك حق ، وزيادة الصلاة يجوز أن تكون سنة ، والتوعد على تركه للمبالغة في تأكيده كقوله : من أكل هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا ، انتهى . وقال الشوكاني في النيل بعد ذكر الأحاديث التي تدل بظاهرها على الوجوب والأحاديث [ ص: 443 ] التي تدل على عدمه ما لفظه : واعلم أن هذه الأحاديث فيها ما يدل على الوجوب كقوله : فليس منا ، وقوله الوتر حق وقوله : أوتروا وحافظوا ، وقوله الوتر واجب ، وفيها ما يدل على عدم الوجوب وهو بقية أحاديث الباب فتكون صارفة لما يشعر بالوجوب . وأما حديث الوتر واجب ، فلو كان صحيحا لكان مشكلا ؛ لأن التصريح بالوجوب لا يصح أن يقال إنه مصروف إلى غيره بخلاف بقية الألفاظ المشعرة بالوجوب ، انتهى .

قلت : حديث : الوتر واجب على كل مسلم ، أخرجه البزار عن ابن مسعود ، وفي إسناده جابر الجعفي فهو ضعيف ، ثم التصريح بالوجوب لا يمنع أن يقال إنه مصروف إلى غيره إذا قامت قرينة صارفة ، ثم قال الشوكاني : ومن الأدلة الدالة على عدم وجوب الوتر ما اتفق عليه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد الحديث ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة ، قال : هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع ، وروى الشيخان أيضا من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن : الحديث وفيه فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة . قال الشوكاني : وهذا من أحسن ما يستدل به ؛ لأن بعث معاذ كان قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بيسير ، انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث