الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأما الحيض فإنه يوجب الغسل لقوله تعالى : { ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن } الآية ) قيل في التفسير هو الاغتسال ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : " { إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي } " وأما دم النفاس فإنه يوجب الغسل ; لأنه حيض مجتمع ، ولأنه يحرم الصوم والوطء ، ويسقط فرض الصلاة فأوجب الغسل كالحيض ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما تفسير الآية فقال جمهور المفسرين : المحيض هنا هو الحيض وهو مذهبنا ، نص عليه الشافعي والأصحاب ، قال القاضي أبو الطيب في أول باب الحيض : اختلف الناس في المحيض فعندنا هو الدم ، وقال قوم هو الفرج نفسه لأنه موضع الدم كالمبيت والمقيل موضع البيتوتة والقيلولة . وقال قوم : هو زمان الحيض . وهذان القولان غلط ; لأن الله تعالى قال : { قل هو أذى } والفرج والزمان لا يوصفان بذلك ، وفي حديث { أم سلمة : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض } " أي الدم وسنزيد في تفسير الآية وإيضاحها في أول كتاب الحيض إن شاء الله تعالى . وأما حديث بنت أبي حبيش فصحيح رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة رضي الله عنه من طرق ، وفي بعض رواياتهما " وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي " كما هو في المهذب ، وفي بعضها : " فاغسلي عنك الدم وصلي " [ ص: 168 ] والحيضة بكسر الحاء وفتحها فالكسر اسم لحالة الحيض ، والفتح بمعنى الحيض وهي المرة الواحدة منه . قال الخطابي : الصواب الكسر وغلط من فتح وجوز القاضي عياض وغيره الفتح وهو أقوى ، وحبيش بضم الحاء المهملة ثم باء موحدة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة ، واسم أبي حبيش : قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى .

( وأما حكم المسألة ) فأجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض وبسبب النفاس ، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر وابن جرير الطبري وآخرون ، وذكر المصنف دليلهما ، ووجه الدلالة من الآية أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطء ، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . واختلف أصحابنا في وقت وجوبه فقال القاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ وآخرون من العراقيين والروياني : الصحيح أنه يجب بأول خروج الدم ، كما قالوا : يجب الوضوء بأول قطرة من البول ، قالوا : وفيه وجه أنه يجب بانقطاع الدم ، وليس بشيء ، وعكس الخراسانيون هذا فقالوا : الأصح أنه يجب بانقطاعه لا بخروجه ، كذا صححه الفوراني وجماعات منهم . قال إمام الحرمين ، قال الأكثرون : يجب بانقطاع الدم ، وقال أبو بكر الإسماعيلي : يجب بخروجه وهو غلط ; لأن الغسل مع دوام الحيض غير ممكن ، وما لا يمكن لا يجب . قال الإمام : والوجه أن يقال : يجب بخروج جميع الدم ، وذلك يتحقق عند الانقطاع . وقطع الشيخ أبو حامد بوجوبه بالانقطاع ، والبغوي بالخروج ، وكل من أوجب بالخروج قاسوه على البول والمني . وقد سبق فيهما ثلاثة أوجه عن المتولي وغيره في أن الوجوب بخروج البول والمني ؟ أم بالقيام إلى الصلاة ؟ أم بالمجموع ؟ قال المتولي : وتلك الأوجه جارية في الحيض قال : إلا أن القائلين هناك : يجب بالخروج اختلفوا ، فمنهم من قال : يجب بخروج الدم ، ومنهم من قال : بانقطاعه ، فحصل أربعة أوجه في وقت وجوب غسل الحيض والنفاس ( أحدها ) بخروج الدم ( والثاني ) بانقطاعه ( والثالث ) بالقيام إلى الصلاة ( والرابع ) بالخروج والانقطاع والقيام إلى الصلاة ، والأصح وجوبه بالانقطاع . [ ص: 169 ] قال إمام الحرمين وغيره : وليس في هذا الخلاف فائدة فقهية ، وقال صاحب العدة : فائدته أن الحائض إذا أجنبت ، وقلنا : لا يجب غسل الحيض إلا بانقطاع الدم ، وقلنا بالقول الضعيف أن الحائض لا تمنع قراءة القرآن ، فلها أن تغتسل عن الجنابة لاستباحة قراءة القرآن ، وسيأتي هذا مع زيادة إيضاح في أول كتاب الحيض إن شاء الله تعالى . وذكر صاحب البحر في كتاب الجنائز له فائدة أخرى حسنة فقال : لو استشهدت الحائض في قتال الكفار قبل انقطاع حيضها ، فإن قلنا : يجب بالانقطاع لم تغسل وإن قلنا بالخروج فهل تغسل ؟ فيه الوجهان في غسل الجنب الشهيد ، فحصل في الخلاف فائدتان ( إحداهما ) مسألة الشهيد ( والثانية ) مسألة الحائض إذا أجنبت ، فإن قيل : الحائض على القول القديم يباح لها القراءة سواء قلنا : يجب الغسل بخروج الدم أم بانقطاعه فينبغي إذا أجنبت أن لا يختلف الحكم . فالجواب أنا إذا قلنا : لا يجب الغسل بخروج الدم فأجنبت فهذه امرأة جنب لا غسل عليها إلا للجنابة ، فإذا اغتسلت لها ارتفعت جنابتها وبقيت حائضا مجردة فتباح القراءة ( على القديم ) وإذا قلنا : يجب الغسل بالخروج فاغتسلت للجنابة لم يصح ، ولم ترتفع جنابتها ; لأن عليها غسلين : غسل حيض وغسل جنابة ، وغسل الحيض لا يمكن صحته مع جريان الدم ، وإذا لم يصح غسل الحيض لم يصح غسل الجنابة ; لأن من عليه حدثان لا يمكن أن يرتفع أحدهما ويبقى الآخر كمن أحدث بنوم مثلا ، ثم شرع في البول وتوضأ في حال بوله عن النوم فإنه لا يصح بلا شك ، والله أعلم .

( فرع ) قال صاحب البيان وغيره : لو خرج الدم من قبلي الخنثى المشكل أو من أحدهما فلا غسل عليه وإن كان بصفة دم الحيض وفي وقته ، لجواز أنه رجل .

( فرع ) قال الشافعي رحمه الله في المختصر : وتغتسل الحائض إذا طهرت ، والنفساء إذا انقطع دمها . قال القاضي حسين وصاحب البحر : قيل لا معنى لتغيير العبارة في الحائض والنفساء إلا تحسين اللفظ وقيل هي إشارة [ ص: 170 ] إلى أن دم النفاس لا يتقدر أقله ، فمتى ارتفع بعد الولادة وإن قل وجب الغسل . ودم الحائض لو ارتفع قبل يوم وليلة لا يكون حيضا ولا غسل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث