الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( قال - رحمه الله - ) قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام [ ص: 18 ] أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله - إملاء : المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض ، وإنما سمي به ; لأن المضارب يستحق الربح بسعيه وعمله فهو شريكه في الربح ، ورأس مال الضرب في الأرض والتصرف . وأهل المدينة يسمون هذا العقد مقارضة وذلك مروي عن عثمان رضي الله عنه فإنه دفع إلى رجل مالا مقارضة ، وهو مشتق من القرض وهو القطع فصاحب المال قطع هذا القدر من المال عن تصرفه وجعل التصرف فيه إلى العامل بهذا العقد فسمي به ، وإنما اخترنا اللفظ الأول ; لأنه موافق لما في كتاب الله تعالى .

قال الله تعالى { : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } يعني السفر للتجارة ، وجواز هذا العقد عرف بالسنة ، والإجماع فمن السنة ما روي : أن { العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان إذا دفع مالا مضاربة شرط على المضارب أن لا يسلك به بحرا ، وأن لا ينزل واديا ، ولا يشتري به ذات كبد رطب ، فإن فعل ذلك ضمن . فبلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فاستحسنه . }

وكان حكيم بن حزام رضي الله عنه إذا دفع مالا مضاربة شرط مثل هذا . وروي : أن عبد الله وعبيد الله ابنا عمر رضي الله عنهم قدما العراق ونزلا على أبي موسى رضي الله عنه فقال لو كان عندي فضل مال لأكرمتكما ولكن عندي مال من مال بيت المال فابتاعا به ، فإذا قدمتما المدينة فادفعاه إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه ، ولكما ربحه ، ففعلا ذلك ، فلما قدما على عمر رضي الله عنه أخبراه بذلك ، فقال : " هذا مال المسلمين فربحه للمسلمين " فسكت عبد الله وقال عبيد الله : " لا سبيل لك إلى هذا فإن المال لو هلك كنت تضمننا . قال بعض الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - : " اجعلهما بمنزلة المضاربين ، لهما نصف الربح وللمسلمين نصفه فاستصوبه عمر رضي الله عنه

وعن القاسم بن محمد : " قال كان لنا مال في يد عائشة رضي الله عنها وكانت تدفعه مضاربة فبارك الله لنا فيه لسعيها . وكان عمر رضي الله عنه يدفع مال اليتيم مضاربة على ما روى محمد - رحمه الله - وبدأ به الكتاب عن حميد بن عبد الله بن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده : " أن عمر رضي الله عنه أعطاه مال يتيم مضاربة وقال لا أدري كيف كان الشرط بينهما ؟ فعمل به بالعراق وكان بالحجاز ، اليتيم كان يقاسم عمر رضي الله عنه بالربح ، وفيه دليل جواز المضاربة بمال اليتيم ، وأن للإمام ولاية النظر في مال اليتامى ، وأن للمضارب والأب والوصي المسافرة بمال اليتيم في طريق آمن أو مخوف بعد أن كانت القوافل متصلة ، فقد كان عمر رضي الله عنه أعطى زيد بن خليدة رضي الله عنه مالا مضاربة فأسلمه إلى عتريس بن عرقوب [ ص: 19 ] في حيوان معلوم بأثمان معلومة إلى أجل معلوم فحل الأجل فاشتد عليه فأتى عتريس عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه يستعين به عليه فذكر ذلك فقال له عبد الله رضي الله عنه : " خذ رأس مالك ولا تسلمه شيئا مما لنا في الحيوان " . وفيه دليل جواز المضاربة وفساد السلم ، وإنما اشتد على عتريس بن عرقوب ; لفساد العقد أيضا ، فلا يظن به المماطلة في قضاء ما هو مستحق عليه مع قوله : صلى الله عليه وسلم { خيركم أحسنكم قضاء . } { وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بالمضاربة بينهم فأقرهم على ذلك وندبهم أيضا إليه على ما قال صلى الله عليه وسلم : من عال ثلاث بنات فهو أسير فأعينوه يا عباد الله ضاربوه داينوه } ; ولأن بالناس حاجة إلى هذا العقد فصاحب المال قد لا يهتدي إلى التصرف المربح ، والمهتدي إلى التصرف قد لا يكون له مال ، والربح إنما يحصل بهما يعني : المال والتصرف . ففي جواز هذا العقد يحصل مقصودهما .

وجواز عقد الشركة بين اثنين بالمال دليل على جواز هذا العقد ; لأن من جانب كل واحد منهما هناك ما يحصل به الربح ; فينعقد بينهما شركة في الربح ; ولهذا لا يشترط التوقيت في هذا العقد ولكل واحد منهما أن ينفرد بفسخه ; لأن انعقاده بطريق الشركة دون الإجارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث