الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ضم الشهادتين في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال

( الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادتين في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال )

اعلم أن مالكا رحمه الله قال إذا شهد أحدهما أنه حلف أن لا يدخل الدار وأنه دخل وشهد الآخر أنه لا يكلم زيدا وأنه كلمه حلف المشهود عليه فإن نكل سجن ؛ لأن الشاهدين لم يتفقا على متعلق واحد .

وكذلك إذا اختلفا في العتق على هذه الصورة ، وقال إذا شهد أحدهما أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت ، وكذلك العتق قال ابن يونس ويشترط أن [ ص: 178 ] يكون بين البلدين مسافة يمكن قطعها في الأجل الذي بين الشهادتين وتضبط عدتها من يوم شهادة الأخير ، قلت وينبغي حمل كلامه على العدة في القضاء أما في الحكم فما تعتقده الزوجة في تاريخ الطلاق .

وقال اللخمي قيل تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو إحداهما قول والأخرى فعل ويقضي بها ، وقيل لا يضمان مطلقا ، وقيل يضمان في الأقوال فقط ، وقيل يضمان إذا كانتا على فعل فإن كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل لم يضما والأقوال كلها لمالك رحمه الله واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والأفعال أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد ، وهذا الفرق فيه بحث وذلك أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات والتأسيس حتى يدل دليل على التأكيد ؛ لأنه مقصود الوضع ومقتضى هذه القاعدة عدم ضم الأقوال والأفعال لعدم وجود النصاب في لفظ واحد منها لكن عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع [ ص: 179 ] الطلاق والعتاق قبل زمن من النطق ، وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود وإنما ينصرف لاستحداث هذه المعاني بالقرائن أو النقل العرفي .

وإنما الأصل الخبر فشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح للإخبار والإنشاء فيحمل القول الثاني على الإخبار في المرة الثانية عملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به [ ص: 180 ] أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال في مقتضى كلام الأصحاب ومقتضى القواعد ، فيكون سر الفرق على المشهور أنه أنشأ أولا وأخبر [ ص: 181 ] ثانيا عن ذلك الإنشاء ولما كان لفظ الإنشاء ولفظ الخبر صورتهما واحدة شرع ضم الثاني إلى الأول فيجتمع النصاب في شيء واحد فيلزم الطلاق والعتاق ، وأما الفعل الثاني فلا يمكن [ ص: 182 ] أن يكون عين الأول ؛ لأنه لا يصلح أن يكون خبرا عنه فإن الخبر من خصائص الأقوال فصار مشهودا به آخر يحتاج إلى نصاب كامل في نفسه فهذا هو سر الفرق ، ومن لاحظ قاعدة الإنشاء قال بعدم الضم فيهما وهو ظاهر لإجماعنا على أن اللفظ الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر وما يقضي إلا به .

ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو هو متردد بينهما على السواء لم يقض بالطلاق ولا بالعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة ، وأما ضم الأفعال مع تعذر الإخبار فيها فملاحظة للمعنى دون خصوص السبب فإن كل شاهد شهد بأنها مطلقة وبأي سبب كان ذلك لا يعرج عليه ، ولو صرحا بالطلاق هكذا انضمت الشهادات .

وأما عدم الضم إذا كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلأن ذلك مختلف الجنس والضم إنما يكون في الجنس الواحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى غير جنسه ، وإذا شهد بتعليقين على شيء واحد في زمانين كرمضان وصفر كما قال فإنه يجعل التعليق الثاني خبرا عن التعليق الأول لا إنشاء للربط ، بل إخبارا عن ارتباط الطلاق بذلك المعنى وفي الأول أنشأ الربط به فالقول في ألفاظ التعاليق كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف ( تفريع ) قال اللخمي لو شهد أحدهما بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس والثالث بواحدة اليوم لزم الثلاث ؛ لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث ، فلما سمعه الثالث ضم للباقي من الأول [ ص: 183 ] وكذلك لو شهد الثاني بواحدة والأخير باثنتين ؛ لأن الثاني مع الأول طلقتان يضم إليهما طلقة أخرى .

وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والأخير بواحدة هذا إذا علمت التواريخ فإن جهلت يختلف في لزوم الثلاث أو اثنتين ؛ لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك .

وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر بأكثر لم يحكم بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ضمت الشهادتان لأن الاختلاف هاهنا إنما هو في الصفة قال مالك في المدونة إذا شهد أحدهما أنه قال في محرم إن فعلت كذا فامرأتي طالق وشهد الآخر أنه قال ذلك في صفر وشهدا عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما على التعليق والمعلق عليه كما لو اتفقا على المقر به ، ولو اختلفا في زمن الإقرار وإن شهدا في مجلس التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط ، وكذلك لو نسبا قوله لمكانين واعلم أن هذه الإطلاقات إنما تصح إذا حمل الثاني على الخبر أما لو صمم كل واحد على الإنشاء فلا يوجد في هذه المسألة على هذا التقدير الضم في الشهادات وإنما وجد في الإطلاقات المحتملة على ما تقدم بيانه على تلك القواعد المتقدمة [ ص: 184 ]

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال )

، قلت ما قاله هنا حكاية أقوال ونحو ذلك ولا كلام فيه [ ص: 178 ] قال ( واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والأفعال أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد إلى قوله والحمل على الأصل أولى ) ، قلت ما قاله صحيح بناء على ما أصل إلا ما قاله من أن أصل قوله أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق فإنه ليس بصحيح فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال [ ص: 179 ]

قال ( ولذلك شبه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به ) ، قلت إنما لم يتعدد عليه ما أقر به لاحتمال تكرر الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد ، وكذلك ما نحن فيه من قوله عبدي فلان حر ، ثم كرر ذلك القول فإنه يحمل على أن الثاني خبر عن الأول بناء على ما أصل من أن الأصل الخبر ، فيكون حينئذ الشاهدان شهدا على شيء واحد وهو إنشاء العتق في العبد الذي سمي ، قلت لا أدري ما الحامل على تكلف تقديره كون القول الثاني خبرا عن الأول مع أنه لو بين بقرينة مقاله أو بقرينة حاله أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق .

وكذلك لو تبين بالقرائن أن القول الأول خبر عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني أيضا كذلك لحصلت شهادة شاهدين على إقراره بعتقه فلا فرق إذا بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرا أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء من حيث إن المقصود وهو وقوع عتقه إياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير نعم إذا تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس [ ص: 180 ] إنشاء كالأول فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتي التاريخ ؛ لأنه لا يكون على عقد العتق إلا شاهد واحد وهو الأول ، وأما الثاني فإنما شهد بما لا يصح عقد العتق به ؛ لأن العقد لا ينعقد فيمن تقدم عتقه .

قال ( أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال إلى قوله كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف ) ، قلت لا أحسب ما بني عليه الفرق من كون القول الثاني خبرا عن الأول صحيحا ، بل الذي ينبغي أن يكون أصلا في هذه المسائل سواء كانت قولا أو فعلا أم كيفما كان أن ينظر إليها فإن قبلت الضم ضمت وإلا فلا ففي القول كمسألة الإقرار بمال كمن يقول في رمضان لفلان عندي دينار فسمعه شاهد ، ثم يقول في شوال لفلان عندي دينار فسمعه آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فتكمل الشهادة ويقضى عليه بالدينار وفي الفعل كمن يشرب الخمر في شوال فيشاهده شاهد .

ثم يشربها في ذي القعدة فيشاهده آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم ، فإن الشاهدين معا قد اجتمعا معا على مشاهدتهما إياه يشرب الخمر فتكمل الشهادة فيلزمه الحد .

وأما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال في رمضان عبدي فلان حر على قصد تأسيس الإنشاء لعتقه فشهد عليه بذلك [ ص: 181 ] شاهد ، ثم قال في شوال عبدي فلان حر على ذلك القصد بعينه فيشهد عليه بذلك شاهد آخر وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن عقد العتق لا يتعدد ، وأما الفعل الذي لا يقبل الضم فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدا قتل عمرا في شوال وشهد شاهد آخر أنه شاهد قتله في ذي القعدة وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد وعلى ما تقرر تشكل المسألة التي نقل عن مالك رحمه الله من أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت من حيث إن المدة التي بين رمضان وصفر أكثر من مدة العدة فعلى تقدير قصده تأسيس الإنشاء فالقول الثاني لا ينعقد به طلاق ؛ لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الأول وعلى تقدير قصد الخبر فالقول الثاني يبعد إطلاع الشاهد على هذا القصد لاحتمال القول الثاني قصد تأسيس الإنشاء وقصد تأكيده وقصد الخبر وترجيح قصد الخبر بأنه الأصل لا يخفى ضعفه والله أعلم ، وما قاله بعد حكاية أقوال ولا كلام فيها وما قاله من الحمل على الخبر فهو بناء على أصله وما قاله فيما إذا شهد له الإنشاء صحيح والله أعلم . وما ذكره في الفرق بعده صحيح أيضا .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 182 - 185 ] الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال )

على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى فقد قال إذا شهد أحد الشاهدين أنه حلف أن لا يدخل الدار وأنه دخل وشهد الآخر أنه لا يكلم زيدا وأنه كلمه حلف المشهود عليه فإن نكل سجن ؛ لأن الشاهدين لم يتفقا على متعلق واحد ، وكذلك إذا اختلفا في العتق على هذه الصورة .

وقال إذا شهد أحدهما أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت ، وكذلك العتق قال ابن يونس ويشترط أن يكون بين البلدين مسافة يمكن قطعها في الأجل الذي بين الشهادتين وتضبط عدتها من يوم شهادة الأخير ا هـ .

قال الأصل وينبغي حمل كلامه أي ابن يونس على العدة في القضاء أما في الحكم فما تعتقده الزوجة تاريخ الطلاق ا هـ . وقال اللخمي لو شهد أحدهما بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس والثالث بواحدة اليوم لزم الثلاث ؛ لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث ، فلما سمعه الثالث ضم للباقي من الأول ، وكذلك [ ص: 214 ] لو شهد الثاني بواحدة والأخير باثنتين ؛ لأن الثاني مع الأول طلقتان يضم إليهما طلقة أخرى ، وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والأخير بواحدة هذا إذا علمت التواريخ فإن جهلت يختلف في لزوم الثلاث أو اثنتين ؛ لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك .

وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر باثنتين لم يحكم بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ضمت الشهادتان ؛ لأن الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة قال الأصل واعتمد الأصحاب في الفرق المذكور بين الأقوال والأفعال على أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد وقاعدة أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات ؛ لأنه مقصود الوضع حتى يدل دليل على التأكيد وإن كانت مقتضى عدم ضم الأقوال والأفعال لعدم وجود نصاب الشهادة في لفظ واحد منهما إلا أنه قد عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتق قبل زمن النطق ، وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود فإذا أجمعنا على أن القول الأول في المرة الأولى الذي في شهادة الشاهد الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر ضرورة القضاء فيه بالطلاق والعتاق ، ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو أنه متردد بينهما على السواء لم يقض بطلاق ولا بعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة كان القول الثاني في المرة الثانية الذي في شهادة الشاهد الآخر صالحا للإخبار والإنشاء ؛ لأنه إنما ينصرف عن أصله الذي هو الخبر إلى إنشاء هذه المعاني واستحداثها بالقرائن أو النقل العرفي ، وشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح لهما فيحمل على الإخبار عملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبهه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به أي لاحتمال تكرر الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد .

وكذلك ما نحن فيه من قوله عبدي فلان حر ، ثم كرر ذلك القول فإنه يحمل على أن الثاني خبر عن الأول ، بناء على أن الأصل الخبر ، فيكون حينئذ الشاهدان شهدا على شيء واحد وهو إنشاء العتق في العبد الذي سمي ، كما قاله ابن الشاط ولما كان لفظ الإنشاء ولفظ الخبر صورتهما واحدة شرع ضم الثاني إلى الأول فيجتمع نصاب الشهادة في شيء واحد فيلزم الطلاق والعتاق .

وأما الفعل الثاني فلا يمكن أن يكون عين الأول ؛ لأنه لا يصلح أن يكون خبرا عنه فإن الخبر من خصائص الأقوال فصار مشهودا به غير الأول فيحتاج إلى نصاب كامل في نفسه هذا هو سر الفرق نعم لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال في مقتضى كلام الأصحاب ومقتضى القواعد ا هـ كلام الأصل بتهذيب وتعقبه الإمام ابن الشاط بوجوه ( الوجه الأول ) أن ما قاله من أن أصل قوله أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق ليس بصحيح فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال ا هـ بلفظه وفيه أنه إن أراد اتفاقا فغير مسلم لقول العلامة الخفاجي في طراز المجالس ذهب قوم إلى أنه لا دلالة أي لاسم الفاعل على زمان أصلا وآخرون [ ص: 215 ] إلى أنه حقيقة في الحال والماضي مجاز في غير ذلك وآخرون إلى أنه حقيقة في الحال والمستقبل وقوم إلى أنه حقيقة في الحال فقط وهو المشهور .

ثم إنه هل هو كذلك مطلقا أم إذا ركب مع غيره أم إذا كان محمولا ذهب آخرون إلى أنه كذلك إذا عمل النصب فقط ، وآخرون فرقوا بين الأعراض السيالة والقارة وفرق قوم بين صفات الله وغيرها ا هـ كما في حاشية كنون على عبق قال وعلى قوله أم إذا كان محمولا يأتي ما ذكره ابن الخطيب في الإحالة والسوداني في نيل الابتهاج والمقري في نفح الطيب عن أبي عبد الله المقري قال شهدت مجلسا بين يدي السلطان ابن تاشفين عبد الرحمن بن موسى بن حمو سلطان تلمسان الذي استولى على ملكه أبو الحسن المريني بعد قتله قرأ على أبي زيد ابن الإمام حديث مسلم { لقنوا موتاكم } إلخ فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السلوى هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازا فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم والأصل الحقيقة فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه وكنت قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت زعم القرافي أنه إنما يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال مختلفا فيه في الماضي إذا كان محكوما به أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقا إجماعا وعلى هذا لا مجاز فلا سؤال لا يقال إنه احتج على ذلك بما فيه نظر ؛ لأنا نقول إنه نقل الإجماع وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدعيها بالدليل كما ذكره أيضا ، بل نقول إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق كما أساء اللخمي وغيره في الاستدلال على وجوب الطهارة ونحوها ، بل هذا أشنع لكونه مما علم من الدين بالضرورة .

ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة ؛ لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فهو يوحش فهو تنبيه على وقت التلقين أي لقنوا من تحكمون بأنه ميت أو نقول إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام ألا ترى إلى اختلافهم فيه هل أخذ من حضور الملائكة ولا شك أن هذه حالة خفية نحتاج في نصبها دليل الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها وهو ما ذكرناه أو من حضور الموت وهو أيضا مما لا يعرف بنفسه ، بل بالعلامات ، فلما وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها والله أعلم ا هـ .

وذكر هذه الحكاية أيضا في نوازل الجنائز من المعيار وزاد ما نصه : وقال سيدي أبو عبد الله مق لعله من الإيماء إلى علة الحكم والإشارة إلى وقت نفع تلك الكلمة النفع التام وهو الموت عليها لا حال الحياة من احتضار أو غيره أي لقنوهم إياها ليموتوا عليها وتنفع ، ومثله ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون أي دوموا عليه لتموتوا عليه فيتم نفعه والله تعالى أعلم ا هـ .

انتهى كلام كنون بلفظه وإن أراد عند الجمهور ورد أن المراد حال التلبس لا حال النطق كما زعم القرافي ففي جمع الجوامع والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن وإلا فآخر جزء وثالثها الوقف ، ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافا للقرافي ا هـ . كما في حاشية كنون على عبق ولا شك أن حال تلبسها بالطلاق والحرية هو الزمن الماضي الذي أنشأ القول الأول فيه فتأمل بإنصاف

. ( الوجه الثاني ) أنه لا يدري ما الحامل على تكلف تقديره كون القول الثاني خبرا عن الأول مع أنه لو بين بقرينة حاله أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق ، وكذلك لو تبين بالقرائن أن القول الأول خبر عن أنه كان [ ص: 216 ] عقد عتقه ، والقول الثاني أيضا كذلك لحصلت شهادة شاهدين على إقراره بعتقه فلا فرق إذا بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرا أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء من حيث إن المقصود وهو وقوع عتقه إياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير نعم إذا تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إنشاء كالأول فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتي التاريخ ؛ لأنه لا يكون على عقد العتق إلا شاهد وهو الأول ، وأما الثاني فإنما شهد بما لا يصح عقد العتق به ؛ لأن العتق لا ينعقد فيمن تقدم عتقه ا هـ .

وفيه أن قوله أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء يصدق بما إذا كان القول الأول خبرا عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني إنشاء لعتق ذلك العبد كما يصدق بالعكس مع أن كمال نصاب الشهادة إنما يظهر على صدقه على الثاني أما على الأول فلا لاحتمال أن يكون القول الثاني عليه تأسيس إنشاء فتكون الشهادة به شهادة بما لا يصح عقد العتق به ؛ لأن العتق إلخ نعم لو قامت قرينة مقاله أو حاله على أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد الذي شهد الشاهد الأول بإقراره به لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق على الأول ولك أن تقول إن قوله نعم إن تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إلخ يشمل احتمال التأسيس على هذا الأول أيضا فتأمل بإمعان وإنصاف

( الوجه الثالث ) أن ما بني عليه الفرق من كون القول الثاني خبرا عن الأول لا أحسبه صحيحا ، بل الذي ينبغي أن يكون أصلا في هذه المسائل سواء كانت قولا أو فعلا أم كيفما كان أن ينظر إليها فإن قبلت الضم ضمت وإلا فلا فبقي القول كمسألة الإقرار بمال كمن يقول في رمضان لفلان عندي دينار فسمعه شاهد ، ثم يقول في شوال لفلان عندي دينار فسمعه آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فتكمل الشهادة ويقضى عليه بالدينار وفي الفعل كمن يشرب الخمر في شوال فيشاهده شاهد ، ثم يشربها في ذي القعدة فيشاهده آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فإن الشاهدين معا قد اجتمعا على مشاهدتهما إياه يشرب الخمر فتمكن الشهادة فيلزمه الحد .

وأما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال في رمضان عبدي فلان حر على قصد تأسيس الإنشاء لعقده فشهد عليه بذلك شاهد ، ثم قال في شوال عبدي فلان حر على ذلك القصد بعينه فيشهد عليه بذلك شاهد آخر وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن عقد العتق لا يتعدد ، وأما الفعل الذي لا يقبل الضم فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدا قتل عمرا في شوال وشهد شاهد آخر أنه شاهد قتله في ذي القعدة ، وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد

( الوجه الرابع ) أن المسألة التي نقلها عن مالك رحمه الله تعالى من أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت تشكل على ما تقرر من حيث إن المدة التي بين رمضان وصفر أكثر من مدة العدة فعلى تقدير قصده تأسيس الإنشاء ، فالقول الثاني لا ينعقد به طلاق ؛ لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الأول وعلى تقدير قصد الخبر فالقول الثاني يبعد اطلاع الشاهد على هذا القصد لاحتمال القول الثاني قصد تأسيس الإنشاء وقصد تأكيده وقصد الخبر وترجيح قصد الخبر بأنه الأصل [ ص: 217 ] لا يخفى ضعفه والله أعلم ا هـ بلفظه .

هذا ومقابل المشهور المذكور أربعة أقوال كلها لمالك رحمه الله حكاها اللخمي قال قيل تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو أحدهما قول والآخر فعل ويقضي بها ، وقيل لا يضمان مطلقا ، وقيل يضمان في الأقوال فقط ، وقيل يضمان إذا كانتا على فعل فإن كان إحداهما على قول والأخرى على فعل لم يضما ا هـ قال الأصل والقول من الأربعة المذكورة لاحظ قاعدة الإنشاء وهو ظاهر لإجماعنا على أن اللفظ الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر وأنه لا يقضي إلا به ، ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو هو متردد بينهما على السواء لم يقض بالطلاق ولا بالعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة وضم الأفعال على القول الأول والرابع مع تعذر الإخبار فيها ملاحظة للمعنى دون حصول السبب فإن كل شاهد شهد بأنها مطلقة وبأي سبب كان ذلك لا يعرج عليه ، ولو صرحا بالطلاق هكذا انضمت الشهادات .

وأما عدم الضم الذي صرح به ، الرابع إذا كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلان ذلك مختلف الجنس والضم إنما يكون في الجنس الواحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى غير جنسه فافهم ( تنبيه )

قال مالك في المدونة إذا شهد أحدهما أنه قال في محرم إن فعلت فامرأتي طالق وشهد الآخر أنه قال ذلك في صفر وشهدا عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما على التعليق والمعلق عليه كما لو اتفقا على المقر به وله واختلفا في زمن الإقرار وإن شهدا في مجلس على التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط ، وكذلك لو نسبا قوله لمكانين ا هـ قال الأصل وإنما تصح هذه الإطلاقات إذا حمل الثاني على الخبر أما لو صمم كل واحد على الإنشاء فلا يوجد في هذا التقدير الضم في الشهادات وإنما وجد في الإطلاقات المحتملة على ما تقدم بيانه على تلك القواعد المتقدمة قال فالقول في ألفاظ التعاليق كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف فإذا شهدا بتعليقين على شيء واحد في زمانين كرمضان وصفر كما قال يعني مالكا في ألفاظ الإنشاءات فإنه يجعل التعليق الثاني خبرا عن التعليق الأول أي عن ارتباط الطلاق بذلك المعنى لا إنشاء للربط وفي الأول إنشاء الربط بذلك المعنى ا هـ قال ابن الشاط ما قاله من الحمل على الخبر أي حمل التعليق الثاني على الخبر فهو بناء على أصله أي وقد تقدم ما فيه وما قاله فيما إذا شهد له الإنشاء صحيح ، والله أعلم ا هـ بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث