الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون ) [ ص: 248 ] البقرة : الأنثى من هذا الحيوان المعروف ، وقد يقع على الذكر . والباقر والبقير والبيقور والباقور ، قالوا : وإنما سميت بقرة لأنها تبقر الأرض ، أي تشقها للحرث ، ومنه سمي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب : الباقر . وكان هو وأخوه زيد بن علي من العلماء الفصحاء . العياذ والمعاذ : الاعتصام . الفعل منه : عاذ يعوذ . الجهل : معروف ، والفعل منه : جهل يجهل ، قيل : وقد جمع على أجهال ، وهو شاذ .

قال الشنفرى :


ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى سؤولا بأطراف الأقاويل



أنمل ويحتمل أن يكون جمع جاهل ، كأصحاب جمع صاحب . الفارض : المسن التي انقطعت ولادتها من الكبر . يقال : فرضت وفرضت تفرض ، بفتح العين في الماضي وضمها ، والمصدر فروض ، والفرض : القطع ، قال الشاعر :


كميت بهيم اللون ليس بفارض     ولا بعوان ذات لون مخصف



ويقال لكل ما قدم وطال أمره : فارض ، قال الشاعر :


يا رب ذي ضغن علي فارض     له قروء كقروء الحائض



وكأن المسن سميت فارضا لأنها فرضت سنها ، أي قطعتها وبلغت آخرها ، قال خفاف بن ندبة :


لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا     تساق إليه ما تقوم على رجل
ولم تعطه بكرا فيرضى سمينه     فكيف تجازى بالمودة والفضل



البكر : الصغيرة التي لم تلد من الصغر ، وقال ابن قتيبة : التي ولدت ولدا واحدا . والبكر من النساء : التي لم يمسها الرجل ، وقال ابن قتيبة : هي التي لم تحمل . والبكر من الأولاد : الأول ، ومن الحاجات : الأولى .

قال الراجز :


يا بكر بكرين ويا خلب الكبد     أصبحت مني كذراع من عضد



والبكر ، بفتح الباء : الفتى من الإبل ، والأنثى : بكرة ، وأصله من التقدم في الزمان ، ومنه البكرة والباكورة . والعوان : النصف ، وهي التي ولدت بطنا أو بطنين ، وقيل : التي ولدت مرة . وقالت العرب : العوان لا تعلم الخمرة ، ويقال : عونت المرأة ، وحرب عوان ، وهي التي قوتل فيها مرة بعد مرة ، وجمع على فعل : قالوا عون ، وهو القياس في المعتل من فعأل ، ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر ، منه :


وفي الأكف اللامعات سور



بين : ظرف مكان متوسط التصرف ، تقول : هو بعيد بين المنكبين ، ونقي بين الحاجبين . قال تعالى : ( هذا فراق بيني وبينك ) ، ودخولها إذا كانت ظرفا بين ما تمكن البينية فيه ، والمال بين زيد وبين عمرو ، ومسموع من كلامهم ، وينتقل من المكانية إلى الزمانية إذا لحقتها ما ، أو الألف ، فيزول عنها الاختصاص بالأسماء ، فيليها إذ ذاك الجملة الاسمية والفعلية ، وربما أضيفت بينا إلى المصدر . ولـ ( بين ) في علم الكوفيين باب معقود كبير . اللون : معروف ، وجمعه على القياس ألوان . واللون : النوع ، ومنه ألوان الطعام : أنواعه . وقالوا : فلان متلون : إذا كان لا يثبت على خلق واحد وحال واحد ، ومنه : يتلون تلون الحرباء ، وذلك أن الحرباء ، لصفاء جسمها ، أي لون قابلته ظهر عليها ، فتنقلب من لون إلى لون . الصفرة : لون معروف ، وقياس الفعل من هذا المصدر : صفر ، فهو أصفر ، وهي صفراء ، كقولهم : شهب : فهو أشهب ، وهي شهباء . الفقوع : أشد ما يكون من الصفرة وأبلغه ، يقال : أصفر فاقع ووارس ، وأسود حالك وحايك ، وأبيض نقق ولمق ، وأحمر قاني وزنجي ، وأخضر ناضر ومدهام ، وأزرق خطباني [ ص: 249 ] وأرمك رادني . السرور : لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب رائق . وقال قوم : السرور والفرح والحبور والجذل نظائر ، ونقيض السرور : الغم . الذلول : الريض الذي زالت صعوبته ، يقال : دابة ذلول : بينة الذل ، بكسر الذال ، ورجل ذليل : بين الذل ، بضم الذال ، والفعل : ذل يذل . الإثارة : الاستخراج والقلقلة من مكان إلى مكان ، وقال امرؤ القيس :


يهيل ويذري تربها ويثيره     إثارة نباش الهواجر مخمس



وقال النابغة :


يثرن الحصى حتى يباشرن تربه     إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل



الحرث : مصدر حرث يحرث ، وهو شق الأرض ليبذر فيها الحب ، ويطلق على ما حرث وزرع ، وهو مجاز في : ( نساؤكم حرث لكم ) . والحرث : الزرع ، والحرث : الكسب ، والحرائث : الإبل ، الواحدة حريثة . وفي الحديث أصدق الأسماء الحارث ؛ لأن الحارث هو الكاسب ، واحتراث المال : اكتسابه . المسلمة المخلصة المبرأة من العيوب ، سلم له كذا : أي خلص ، سلاما وسلامة مثل : اللذاذ واللذاذة . الشية : مصدر وشى الثوب ، يشيه وشيا وشية : حسنه وزينه بخطوط مختلفة الألوان ، ومنه قيل للساعي في الإفساد بين الناس : واش ؛ لأنه يحسن كذبه عندهم حتى يقبل ، والشية : اللمعة المخالفة للون ، ومنه ثور موشي القوائم ، قال الشاعر :


من وحش وجرة موشي أكارعه     طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد



الآن : ظرف زمان ، حضر جميعه أو بعضه ، والألف واللام فيه للحضور . وقيل : زائدة ، وهو مبني لتضمنه معنى الإشارة . وزعم الفراء أنه منقول من الفعل ، يقال : آن يئين أينا : أي حان . الدرء : الدفع ، ويدرأ عنها العذاب . وقال الشاعر :


فنكب عنهم درء الأعادي



وادارأ : تفاعل منه ، ولمصدره حكم يخالف مصادر الأفعال التي أولها همزة وصل ذكر في النحو . القساوة : غلظ القلب وصلابته . يقال : قسا يقسو قسوا وقسوة وقساوة ، وقسا وجسا وعسا متقاربة . الشق ، أن يجعل الشيء شقين ، وتشقق منه . الخشية : الخوف مع تعظم المخشي . يقال : خشي يخشى . الغفلة والسهو والنسيان متقاربة . يقال منه : غفل يغفل ، ومكان غفل لم يعلم به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث