الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الحال التي نهى الله الشهداء عن إباء الإجابة إذا دعوا بهذه الآية .

فقال بعضهم : معناه : لا يأب الشهداء أن يجيبوا ، إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق .

ذكر من قال ذلك :

6367 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " كان الرجل يطوف في الحواء العظيم فيه القوم ، فيدعوهم إلى الشهادة ، فلا يتبعه أحد منهم . قال : وكان قتادة يتأول هذه الآية : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " ليشهدوا لرجل على رجل .

6368 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : كان الرجل يطوف في القوم [ ص: 69 ] الكثير يدعوهم ليشهدوا ، فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله - عز وجل - : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " .

6369 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : لا تأب أن تشهد إذا ما دعيت إلى شهادة .

وقال آخرون بمثل معنى هؤلاء ، إلا أنهم قالوا : يجب فرض ذلك على من دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره . فأما إذا وجد غيره فهو في الإجابة إلى ذلك مخير ، إن شاء أجاب ، وإن شاء لم يجب .

ذكر من قال ذلك :

6370 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا سفيان عن جابر عن الشعبي قال : " لا يأب الشهداء إذا ما دعوا " - قال : إن شاء شهد ، وإن شاء لم يشهد ، فإذا لم يوجد غيره شهد .

وقال آخرون : معنى ذلك : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " - للشهادة على من أراد الداعي إشهاده عليه ، والقيام بما عنده من الشهادة - من الإجابة .

ذكر من قال ذلك :

6371 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا أبو عامر عن الحسن : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : قال الحسن : الإقامة والشهادة .

6372 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر [ ص: 70 ] في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : كان الحسن يقول : جمعت أمرين : لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد ، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة .

6373 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " يعني : من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده ، ولا يحل له أن يأبى إذا ما دعي .

6374 - حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا هشيم عن يونس عن الحسن : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : لإقامتها ، ولا يبدأ بها إذا دعاه ليشهده ، وإذا دعاه ليقيمها .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " - للقيام بالشهادة التي عندهم للداعي - من إجابته إلى القيام بها .

ذكر من قال ذلك :

6375 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا شهد .

6376 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك .

6377 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " يقول : إذا كانوا قد أشهدوا .

6378 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا ابن علية عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا كانت عندك شهادة فدعيت .

6379 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية قال : حدثنا ليث عن [ ص: 71 ] مجاهد في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا كانت شهادة فأقمها ، فإذا دعيت لتشهد فإن شئت فاذهب ، وإن شئت فلا تذهب .

6380 - حدثنا سوار بن عبد الله قال : حدثنا عبد الملك بن الصباح عن عمران بن حدير قال : قلت لأبي مجلز : ناس يدعونني لأشهد بينهم ، وأنا أكره أن أشهد بينهم ؟ قال : دع ما تكره ، فإذا شهدت فأجب إذا دعيت .

6381 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان عن جابر عن عامر قال : الشاهد بالخيار ما لم يشهد .

6382 - حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا هشيم عن يونس عن عكرمة في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " . قال : لإقامة الشهادة .

6383 - حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا هشيم عن أبي عامر عن عطاء قال : في إقامة الشهادة .

6384 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : حدثنا أبو عامر المزني قال سمعت عطاء يقول : ذلك في إقامة الشهادة يعني قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " .

6385 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال أخبرنا أبو حرة ، أخبرنا عن الحسن أنه سأله سائل قال : أدعى إلى الشهادة وأنا أكره أن أشهد عليها . قال : فلا تجب إن شئت .

6386 - حدثنا يعقوب قال : حدثنا هشيم عن مغيرة قال : سألت إبراهيم [ ص: 72 ] قلت : أدعى إلى الشهادة وأنا أخاف أن أنسى ؟ قال : فلا تشهد إن شئت .

6387 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا أبو عامر عن عطاء قال : للإقامة .

6388 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا كانوا قد شهدوا .

6389 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال أخبرنا ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : هو الذي عنده الشهادة .

6390 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " يقول : لا يأب الشاهد أن يتقدم فيشهد إذا كان فارغا .

6391 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : هم الذين قد شهدوا . قال : ولا يضر إنسانا أن يأبى أن يشهد إن شاء . قلت لعطاء : ما شأنه ؟ إذا دعي أن يكتب وجب عليه أن لا يأبى ، وإذا دعي أن يشهد لم يجب عليه أن يشهد إن شاء ! قال : كذلك يجب على الكاتب أن يكتب ، ولا يجب على الشاهد أن يشهد إن شاء ، الشهداء كثير .

6392 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا شهد فلا يأب إذا دعي أن يأتي يؤدي شهادة ويقيمها .

6393 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة : [ ص: 73 ] " ولا يأب الشهداء " قال : كان الحسن يتأولها : إذا كانت عنده شهادة فدعي ليقيمها .

6394 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال أخبرنا يزيد قال أخبرنا جويبر عن الضحاك في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : إذا كتب الرجل شهادته أو أشهد لرجل فشهد ، والكاتب الذي يكتب الكتاب - دعوا إلى مقطع الحق ، فعليهم أن يجيبوا وأن يشهدوا بما أشهدوا عليه .

وقال آخرون : هو أمر من الله - عز وجل - الرجل والمرأة بالإجابة إذا دعي ليشهد على ما لم يشهد عليه من الحقوق ابتداء ، لا لإقامة الشهادة ، ولكنه أمر ندب لا فرض .

ذكر من قال ذلك :

6395 - حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم قال : حدثنا أبو قتيبة عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي في قوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " قال : أمرت أن تشهد ، فإن شئت فاشهد ، وإن شئت فلا تشهد .

6396 - حدثني أبو العالية قال : حدثنا أبو قتيبة عن محمد بن ثابت العصري عن عطاء ، بمثله .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : " [ معنى ] [ ص: 74 ] ذلك : ولا يأب الشهداء من الإجابة إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذ من الذي عليه ما عليه للذي هو له " .

وإنما قلنا هذا القول بالصواب أولى في ذلك من سائر الأقوال غيره ، لأن الله - عز وجل - قال : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " فإنما أمرهم بالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم " الشهداء " . وغير جائز أن يلزمهم اسم " الشهداء " إلا وقد استشهدوا قبل ذلك فشهدوا على ما ألزمتهم شهادتهم عليه اسم " الشهداء " . فأما قبل أن يستشهدوا على شيء ، فغير جائز أن يقال لهم " شهداء " . لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم ولما يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم ، لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له " شاهد " بمعنى أنه سيشهد ، أو أنه يصلح لأن يشهد . وإذ كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره ، أو من قد أقام شهادته فلزمه لذلك هذا الاسم كان معلوما أن المعني بقوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " من وصفنا صفته ممن قد استرعي شهادة ، أو شهد فدعي إلى القيام بها ؛ لأن الذي لم يستشهد ولم يسترع شهادة قبل الإشهاد غير مستحق اسم " شهيد " ولا " شاهد " لما قد وصفنا قبل .

مع أن في دخول " الألف واللام " في " الشهداء " دلالة واضحة على أن المسمى بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة ، أشخاص معلومون قد عرفوا بالشهادة ، [ ص: 75 ] وأنهم الذين أمر الله - عز وجل - أهل الحقوق باستشهادهم بقوله : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " . وإذ كان ذلك كذلك ، كان معلوما أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإقامة شهادتهم بعدما استشهدوا فشهدوا . ولو كان ذلك أمرا لمن أعرض من الناس فدعي إلى الشهادة يشهد عليها لقيل : ولا يأب شاهد إذا ما دعي .

غير أن الأمر وإن كان كذلك ، فإن الذي نقول به في الذي يدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة ، فإن الفرض عليه إجابة داعيه إليها ، كما فرض على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه ، ففرض عليه أن يكتب كما فرض على من كان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإيمان وشرائع الإسلام ، فحضره جاهل بالإيمان وبفرائض الله فسأله تعليمه وبيان ذلك له أن يعلمه ويبينه له . ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإجابة للشهادة إذا دعي ابتداء ليشهد على ما أشهد عليه بهذه الآية ، ولكن بأدلة سواها ، وهي ما ذكرنا . وإن فرضا على الرجل إحياء ما قدر على إحيائه من حق أخيه المسلم .

" والشهداء " جمع " شهيد " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث