الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 11 ] كتاب الأشربة جمع شراب بمعنى مشروب ، وذكر فيه التعازير تبعا ، وجمع الأشربة لاختلاف أنواعها ، وإن كان حكمها متحدا ، ولم يعبر بحد الأشربة كما قال قطع السرقة ; لأن الفرض ثم ليس إلا بيان القطع ومتعلقاته ، وأما التحريم فمعلوم بالضرورة ، والغرض هنا بيان التحريم لخفائه بالنسبة في كثير من المسائل .

وشرب الخمر من الكبائر وإن مزجها بمثلها من الماء ، وكان شربها جائزا أول الإسلام بوحي ولو إلى حد يزيل العقل على الأصح ، ولا ينافيه قولهم إن الكليات الخمس لم تبح في ملة من الملل ; لأن ذاك بالنسبة للمجموع ، قيل إنه باعتبار ما استقر عليه أمر ملتنا .

وحقيقة الخمر المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد ، وتحريم غيرها بنصوص دلت على ذلك ، ولكن لا يكفر مستحل قدر لا يسكر من غيره للخلاف فيه : أي من حيث الجنس لحل قليله على قول جماعة ، أما المسكر بالفعل فهو حرام إجماعا كما حكاه الحنفية فضلا عن غيرهم ، بخلاف مستحله من عصير العنب الصرف الذي لم يطبخ ولو قطرة ; لأنه مجمع عليه ضروري ، والأصل في الباب قوله تعالى { إنما الخمر } الآية وخبر [ ص: 12 ] { كل شراب أسكر فهو حرام } وخبر { كل مسكر خمر وكل خمر حرام } وخبر { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة : عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وواهبها وآكل ثمنها } ( كل شراب أسكر كثيره ) من خمر أو غيرها ومنه المتخذ من لبن الرمكة فإنه مسكر مائع ( حرم قليله ) وكثيره ( وحد شاربه ) وإن لم يسكر : أي متعاطيه ولو ممن يعتقد إباحته لضعف أدلته ، إذ العبرة في الحدود بمذهب الحاكم لا المتداعيين وقول الزركشي فيمن لا يسكر بشرب الخمر إن الحرمة من حيث النجاسة لا الإسكار ففي الحد عليه نظر لانتفاء العلة وهي الإسكار عجيب وغفلة عن وجوب الحد في القليل الذي لا يتصور منه إسكار ، فمعنى كونه علة أنه مظنة له ، وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات كالبنج والأفيون وكثير الزعفران والجوزة والحشيش فلا حد به وإن أذيبت إذ ليس فيها شدة مطربة ، بخلاف جامد الخمر اعتبارا بأصلهما بل التعزير الزاجر له عن هذه المعصية الدنية ، ويحرم شرب ما ذكر ويحد شاربه ( إلا صبيا ومجنونا ) لعدم تكليفهما ( وحربيا ) أو معاهدا لعدم التزامه ( وذميا ) ; لأنه لم يلتزم بالذمة مما لا يعتقده إلا ما يتعلق بالآدميين ( وموجرا ) مسكرا قهرا إذ لا صنع له ( وكذا مكرها على شربه على المذهب ) لرفع القلم عنه ويلزمه ككل آكل أو شارب حرام تقيؤه إن أطاقه كما في المجموع وغيره ولا نظر إلى عذره وإن لزمه التناول ; لأنه استدامة في الباطن لا انتفاع به ، وهو محرم وإن حل ابتداؤه لزوال سببه [ ص: 13 ] فاندفع استبعاد الأذرعي لذلك ، وعلى نحو السكران إذا شرب مسكرا حد واحد ما لم يحد قبل شربه فيحد ثانيا ، ومقابل المذهب طريق حاك لوجهين

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 11 ] كتاب الأشربة ( قوله وذكر فيه التعازير تبعا ) أي وحيث كان ذكرها على وجه التبعية لا يقال أخل بها في الترجمة ( قوله : وإن مزجها بمثلها من الماء ) بخلاف ما لو مزجت بأكثر منها كما يأتي : أي من أنه لا حد في تناوله فلا يكون كبيرة ( قوله بوحي ) أي لإباحته الأصلية ، ومع ذلك لم يتناولها صلى الله عليه وسلم ( قوله : إن الكليات ) أي الأمور العامة التي لا تختص بواحد دون آخر ( قوله الخمس ) وقد نظمها شيخنا اللقاني في عقيدته ، وزاد عليها سادسا في قوله :

وحفظ نفس ثم دين مال نسب ومثلها عقل وعرض قد وجب

( قوله : أو أنه باعتبار ما استقر إلخ ) هذا لا يدفع القول بأنه اتفقت عليه الملل .

( قوله : وتحريم غيرها ) أي حقيقة الخمر المسكر إلخ ( قوله : أما المسكر بالفعل ) كان مقتضى مقابلته لقوله قبل ، ولكن لا يكفر مستحل إلخ أن يقول أما المسكر بالفعل فيكفر مستحله فإن الحرمة لا تتقيد بالقدر المسكر ، هذا ويبقى النظر في أنه هل يكفر ما اقتضاه صدر عبارته أو لا ، وهل هو كبيرة كالخمر أو لا ؟ فيه نظر والأقرب أنه يكفر ، وأنه كبيرة بل كونه كبيرة هو مفهوم قول الزيادي وشرب ما لا يسكر من غيرها لقلته صغيرة ( قوله : بخلاف مستحله ) أي فيكفر به ( قوله الذي لم يطبخ ) أي بخلاف [ ص: 12 ] ما لو طبخ على صفته يقول بحلها بتلك الصفة بعض المذاهب ( قوله وواهبها ) أي ومتهبها في حكم المبتاع ( قوله ومنه المتخذ من لبن الرمكة ) أي الفرس في أول نتاجها ( قوله : وهي الإسكار ) عجيب وغفلة قد يقول الزركشي الإسكار ولو باعتبار المظنة منتف على هذا ، وقد يورد عليه حينئذ أنه يكفي في المظنة ملاحظة جنس الشارب أو المشروب ا هـ سم على حج ( قوله كالبنج والأفيون ) يوهم أنه لا يتقيد بالكثير ، وليس مرادا فالكثرة قيد في الجميع ( قوله وكثير الزعفران ) المراد بالكثير من ذلك ما يغيب العقل بالنظر لغالب الناس ، وإن لم يؤثر في المتناول له لاعتياد تناوله ( قوله : فلا حد وإن أذيبت ) أي المذكورات محله ما لم تشتد بحيث تقذف بالزبد وتطرب ، وإلا صارت كالخمر في النجاسة والحد كالخبز إذا أذيب وصار كذلك بل أولى ، والفرق بأن للحشيش حالة إسكار وتحريم بخلاف الخبز مثلا لا أثر له ولا دليل عليه بل سبق كذلك يؤكد ما قلنا وفاقا في ذلك لطلب وخلافا لمر ثم وافق ا هـ سم على منهج ( قوله : بل التعزير ) أي بل فيها التعزير ما لم يصر إلى حالة تلجئه إلى استعمال ذلك بحيث لو تركه أصابه ما يبيح التيمم ، نعم يجب عليه في إزالة الاحتياج إليه إما باستعمال ضده أو تقليله إلى أن يصير لا يضره تركه ( قوله : أو معاهدا ) أي أو مؤمنا كما فهم بالأولى .

( قوله : ويلزمه ككل آكل أو شارب حرام تقايؤه ) قال سم على منهج بعد مثل ما ذكر : والذي في البحر وغيره الاستحباب بر ا هـ ( قوله : وإن لزمه التناول ) أي كالمضطر ( قوله : وإن حل ابتداؤه ) قد ينافي هذا التعميم ما ذكره في باب الأطعمة من قوله ولو شبع في حالة امتناعه ، ثم قدر على الحل لزمه ككل من تناول محرما التقيؤ وإن أطاقه وإن لم تحصل له منه مشقة لا تحتمل عادة ا هـ .

وقد يقال : لا تنافي لإمكان حمل ما في الأطعمة على ما لو وجد الحلال عقب تناول الميتة مثلا ، وما هنا على ما لو لم يجده [ ص: 13 ] وعلى أن المراد بوجوب التقيؤ هنا بعد استقراره في المعدة زمنا تنكسر به حدة الجوع ، وتصل خاصته إلى البدن ( قوله : إذا شرب مسكرا ) أي وتكرر منه ذلك



حاشية المغربي

[ ص: 11 ] كتاب الأشربة ( قوله : والغرض هنا بيان التحريم ) فيه منع ظاهر يعلم مما قدمناه أول السرقة ( قوله وإن مزجها بمثلها من الماء ) أي خلافا للحليمي في قوله إنها حينئذ من الصغائر ( قوله : الكليات الخمس ) أي النفس والعقل والنسب والمال والعرض ( قوله : وقيل : إنه باعتبار ما استقر عليه أمر ملتنا ) كان الضمير في إنه لعدم المنافاة المأخوذ من ولا ينافيه ، والمعنى أن عدم المنافاة حاصل باعتبار ما استقر عليه أمر ملتنا من التحريم ، وحينئذ فمعنى قولهم إن الكليات الخمس لم تبح في ملة : أي لم يستقر إباحتها في ملة وإن أبيحت في بعضها في بعض الأحيان فليتأمل ( قوله : ولكن لا يكفر مستحل قدر لا يسكر ) أي بخلاف مستحل الكثير منه فإنه يكفر خلافا لابن حجر ( قوله : أي من حيث الجنس لحل قليله على قول جماعة ) هذا تبع فيه ابن حجر وذاك إنما احتاج لهذا لاختياره عدم الكفر باستحلال القليل [ ص: 12 ] والكثير فاضطر إلى هذا ، وأما الشارح فحيث كان اختياره الكفر باستحلال الكثير فلا حاجة به إلى هذا بل يجب حذفه من كلامه إذ لا معنى له على اختياره ( قوله : وخبر { كل مسكر خمر وكل خمر حرام } ) هذا قياس منطقي إذا حذف منه الحد الأوسط وهو المكرر الذي هو الخمر الواقع محمولا للصغرى وموضوعا للكبرى أنتج كل مسكر حرام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث