الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5011 [ ص: 489 ] 37 - باب: إذا طلقها ثلاثا، ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها

                                                                                                                                                                                                                              5317 - حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا هشام قال: حدثني أبي، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

                                                                                                                                                                                                                              حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - أن رفاعة القرظي تزوج امرأة، ثم طلقها، فتزوجت آخر، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك". [انظر: 2639 - مسلم: 1433 - فتح 9 \ 464].

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة، ثم طلقها، فتزوجت آخر، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة، فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك".

                                                                                                                                                                                                                              وقد سلف في باب: من أجاز طلاق الثلاث واضحا وغيره.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها إلا بطلاق زوج وطئها كما سلف، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب كما سلف ، ولا نعلم من وافقه عليه إلا من (لا) يعتد به، والسنة مستقضى بها عما سواها، ولعله لم يبلغه الحديث. والعسيلة كناية عن اللذة.

                                                                                                                                                                                                                              واختلف في صفة الوطء الذي يحل المطلقة ثلاثا، فقال مالك: لا يحلها إلا الوطء المباح; فإن وقع الوطء في صوم أو اعتكاف

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 490 ] أو حج أو حيض أو نفاس لم يحل به، ولا يحل الذمية عنده وطء الذمي ولا الصبي إذا لم يكن بالغا.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الكوفيون والأوزاعي والشافعي: يحلها وطء كل زوج بنكاح صحيح، وكذا لو أصابها محرمة، أو صائمة، أو حائضا، أو وطئها مراهق لم يحتلم يحل بذلك كله. وتحل الذمية للمسلم بوطء زوج ذمي، وبهذا كله قال ابن الماجشون وبعض المدنيين; لأنه زوج .

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              واختلف في عقد نكاح المحلل فقال مالك: لا يحلها إلا بنكاح رغبة، وإن قصد التحليل لم يحلها سواء علم ذلك الزوجان أم لم يعلما، لا يحل ويفسخ قبل الدخول وبعده. وهذا قول الليث والثوري والأوزاعي وأحمد، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: النكاح جائز وله أن يقيم على نكاحه، وهو قول عطاء والحكم .

                                                                                                                                                                                                                              وقال القاسم وعروة والشعبي: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم بذلك الزوجان، وهو مأجور بذلك. وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد، وقد سلف أيضا ذلك واضحا. حجة مالك أنه - عليه السلام - لعن المحلل والمحلل له، رواه عنه علي وابن مسعود وعقبة بن عامر وخلق .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 491 ] وفي حديث عقبة: "ألا أدلكم على التيس المستعار هو المحل" ولا فائدة في اللعنة إلا إفساد النكاح والتحذير منه.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 492 ] وقد سئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن نكاح المحلل، فقال: ذلك السفاح . حجة أهل الكوفة عموم قوله: زوجا غيره [البقرة: 230] وقد وجد الشرط، وعقد الثاني على شرائطه يقيد تحليلها للأول .

                                                                                                                                                                                                                              ولا فرق بين أن ينوي التحليل أم لا، ألا ترى أن عقد النكاح يفسخ الوطء، ويفيد وجوب الطلاق والنفقة. ولا فرق بين أن ينوي ذلك فيقول: أنكح لأطأ وبين ألا ينوي ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              في الحديث دلالة على أن للمرأة المطالبة بحقها من الجماع، وأن لها أن تدعو إلى فسخ النكاح، وذلك أنها إنما ادعت بهذا القول العنة ولم ترد أن ذلك منه في دقة الهدبة، إنما أرادت أنه كالهدبة ضعفا أو استرخاء، وقد بان ذلك في رواية أيوب عن عكرمة أنها قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها. فقال: كذبت يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل ينكح المرأة ثم تطالبه بالجماع، فقال كثير من أهل العلم: إذا وطئها مرة لم يؤجل إلى أجل العنين، روي عن عطاء وطاوس والحسن والزهري، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 493 ] وحكى أبو ثور عن بعض أهل الأثر أنه كلما أمسك عنها أجل لها سنة; لأنه ليس فيما مضى من جماعها مقنع.

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو ثور: إذا غشيها مرة واحدة ثم أمسك فإن رافعته أجل لها، وذلك أن العلة التي في العنين قد صارت فيه ، ولست أنظر في هذا إلى أول النكاح ولا آخره إذا كانت العلة موجودة وذلك أن حقوقها الجماع، فمتى كان المنع لعلة كان حكم العنين.

                                                                                                                                                                                                                              يتلوه كتاب العدة.

                                                                                                                                                                                                                              فرغ من تعليقه في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة بالشرفية بحلب إبراهيم بن محمد بن خليل سبط بن العجمي الحلبي من نسخة سقيمة.

                                                                                                                                                                                                                              الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية