الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2731 ] ( 1 ) باب الضيافة

الفصل الأول

4243 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يؤذ جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " . وفي رواية بدل : ( الجار ) : ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه " . متفق عليه .

التالي السابق


( 1 ) باب الضيافة

بكسر أوله . ففي القاموس : ضفته أضيفه ضيفا وضيافة بالكسر نزلت عليه ضيفا .

وقال الراغب : أصل الضيف الميل . يقال : ضفت إلى كذا ، وأضفت كذا إلى كذا .

والضيف من مال إليك نازلا بك ، وصارت الضيافة متعارفة في القرى ، وأصل الضيف مصدر ، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم .

الفصل الأول

4243 - ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه ) ، في شرح السنة . قال تعالى : هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين قيل : أكرمهم إبراهيم - عليه السلام - بتعجيل قراهم والقيام بنفسه عليهم ، وطلاقة الوجه لهم ، وكان سلمان إذا دخل عليه رجل فدعا ما حضر خبزا وملحا . وقال : لولا أن نهينا أن يكلف بعضنا بعضا لتكلفت لك اهـ . وليس المراد توقف الإيمان على هذه الأفعال ، بل هو مبالغة في الإتيان بها ، كما يقول القائل لولده : إن كنت ابني فأطعني تحريضا له على الطاعة ، أو المراد من كان كامل الإيمان فليأت بها ، وإنما ذكر طرفي المؤمن به إشعارا بجميعها . وقيل : تخصيص اليوم الآخر بالذكر دون شيء من مكملات الإيمان بالله ; لأن الخير والمثوبة ورجاء الثواب والعقاب كلها راجعة إلى الإيمان باليوم الآخر ، فمن لا يعتقده لا يرتدع عن شر ، ولا يقدم على خير وتكريره ثلاث مرات للاهتمام والاعتناء بكل خصلة مستقلة . قالوا : وإكرام الضيف بطلاقة الوجه ، وطيب الكلام ، والإطعام ثلاثة أيام في الأول بمقدوره وميسره ، والباقي بما حضره من غير تكلف ، لئلا يثقل عليه وعلى نفسه وبعد الثلاثة يعد من الصدقة إن شاء فعل وإلا فلا . قالوا : ويشعر بأن الثلاثة ليست من الصدقة ، فيحتمل أنها واجبة ، لكنها نسخت بوجوب الزكاة ، أو جعلت كالواجب للعناية بها ، وأرادوا بما بعدها التبرع المباح ، والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ، ويجوز أن يكون مصدرا .

( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يؤذ جاره ) : أي أقله هذا وإلا ففي رواية للشيخين : " فليكرم جاره " ، وفي رواية : " فليحسن إلى جاره " أي بأن يعينه على ما يحتاج إليه ، ويدفع عنه السوء ويخصصه بالنيل لئلا يستحق الوعيد والويل . قال - صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون ما حق الجار ؟ إن استعانك أعنته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن افتقر جدت عليه ، وإن مرض عدته ، وإن مات اتبعت جنازته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابته مصيبة عزيته ، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجز عنه الريح إلا بإذنه ، وإن اشتريت فاكهة فاهد له ، وإن لم تفعل فأدخله سرا ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذ بغبار قدرك إلا أن تغرف له منها . أتدرون ما حق الجار ؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من رحم الله تعالى " . رواه الغزالي - رحمه الله - في الأربعين ، وفي شرح مسلم للنووي . قال القاضي عياض : من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وضيفه وبرهما ، وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الجار ، والضيافة من محاسن الشريعة ومكارم الأخلاق ، وقد أوجبها الليث ليلة واحدة ، واحتج بحديث عقبة : " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا ، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " ، وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق ، وحجتهم قوله - صلى الله عليه وسلم : " جائزته يوم وليلة " والجائزة : العطية والمنحة والصلة ، فذلك لا يكون إلا في الاختيار ، وقوله : ( فليكرم ) يدل على هذا أيضا إذ ليس يستعمل مثله في الواجب ، وتأولوا الأحاديث بأنها كانت في أول الإسلام ، أن كانت المواساة واجبة . واختلف أنها

[ ص: 2732 ] " على الحاضر والبادي أم على البادي ؟ فذهب الشافعي ومن تبعه إلى أنها عليهما . وقال مالك ومن وافقه : إنما ذلك على أهل البوادي لأن المسافر يجد في الحضر المنازل وما يشتري في الأسواق . ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا ، أو ليصمت ) : بضم الميم أي ليسكت كما في رواية وقد ورد : " من صمت نجا " ، كما رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ويعني إذا أراد أن يتكلم ، فإن كان ما يتكلم به خيرا يثاب عليه واجبا كان أو مندوبا فليتكلم به ، وإن لم يظهر له خبره سواء ظهر أنه حرام أو مكروه أو مباح ، فليمسك عنه فالكلام المباح مأمور بتركه مخافة انجراره إلى الحرام . ( وفي رواية ) : أي للبخاري ( بدل الجار ) : أي بدل الجملة التي فيها ذكر الجار ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ) : فيه إشارة إلى أن القاطع كأنه لم يؤمن بالله واليوم الآخر لعدم خوفه من شدة العقوبة المترتبة على القطيعة ( متفق عليه ) والحديث في الأربعين للنووي بتأخير الجار والضيف ، ولعله روايات . واختار المصنف تقديم الضيفة لمناسبة الباب والله تعالى أعلم بالصواب . وفي الجامع الصغير بلفظ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت " . رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي شريح ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنهما - وروى الترمذي والحاكم عن جابر : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر . فلا يدخل الحمام بغير إزار ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر " . وروى الترمذي عن رويفع : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره " . وروى الطبراني عن سليمان بن صرد : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروعن مسلما " . وروى الطبراني عن أبي أمامة : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما " . وروى أحمد والحاكم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا " .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث