الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 303 ] قال شيخ الإسلام - قدس الله روحه - بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ; ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا . فصل في قوله صلى الله عليه وسلم { فحج آدم موسى } لما احتج عليه بالقدر . وبيان : أن ذلك في المصائب لا في الذنوب وأن الله أمر بالصبر والتقوى فهذا في الصبر لا في التقوى وقال : { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } فأمر بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب .

وذلك أن بني آدم اضطربوا في " هذا المقام - مقام تعارض الأمر والقدر - وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضع . و " المقصود هنا " أنه قد ثبت في الصحيحين حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : { احتج آدم وموسى : فقال موسى : يا آدم ؟ أنت أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي كلمك الله تكليما وكتب لك التوراة .

فبكم تجد فيها مكتوبا : { وعصى آدم ربه فغوى } قبل أن أخلق قال : بأربعين سنة قال فحج آدم موسى
} . وهو مروي أيضا من طريق عمر بن الخطاب بإسناد حسن وقد ظن كثير من الناس أن آدم احتج بالقدر السابق على نفي الملام على الذنب .

ثم صاروا لأجل هذا الظن " ثلاثة أحزاب " . ( فريق كذبوا بهذا الحديث : كأبي علي الجبائي وغيره ; لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث ويجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم بل وجميع الأنبياء وأتباع الأنبياء أن يجعلوا القدر حجة لمن عصى الله ورسوله . [ ص: 305 ]

و ( فريق تأولوه بتأويلات معلومة الفساد : كقول بعضهم إنما حجه لأنه كان أباه والابن لا يلوم أباه . وقول بعضهم ; لأن الذنب كان في شريعة والملام في أخرى . وقول بعضهم : لأن الملام كان بعد التوبة . وقول بعضهم : لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة .

و ( فريق ثالث ) جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله ورسوله ثم لم يمكنهم طرد ذلك . فلا بد في نفس معاشهم في الدنيا أن يلام من فعل ما يضر نفسه وغيره ; لكن منهم من صار يحتج بهذا عند أهوائه وأغراضه لا عند أهواء غيره كما قيل في مثل هؤلاء : أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به .

فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتج بالقدر ولو أذنب غيره أو ظلمه لم يعذره وهؤلاء ظالمون معتدون . ومنهم من يقول : هذا في حق أهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبية وفنوا عما سوى الله فيرون أن لا فاعل إلا الله فهؤلاء لا يستحسنون حسنة ولا يستقبحون سيئة فإنهم لا يرون لمخلوق فعلا ; بل لا يرون فاعلا إلا الله بخلاف من شهد لنفسه فعلا فإنه يذم ويعاقب وهذا قول كثير من متأخري الصوفية المدعين للحقيقة وقد يجعلون هذا نهاية التحقيق وغاية العرفان والتوحيد وهذا قول طائفة من أهل العلم . [ ص: 306 ]

قال أبو المظفر السمعاني : وأما الكلام فيما جرى بين آدم وموسى من المحاجة في هذا الشأن فإنما ساغ لهما الحجاج في ذلك ; لأنهما نبيان جليلان خصا بعلم الحقائق وأذن لهما في استكشاف السرائر وليس سبيل الخلق الذين أمروا بالوقوف عندما حد لهم والسكوت عما طوي عنهم سبيلها وليس قوله : { فحج آدم موسى } إبطال حكم الطاعة ولا إسقاط العمل الواجب ولكن معناه ترجيح أحد الأمرين ، وتقديم رتبة العلة على السبب فقد تقع الحكمة بترجيح معنى أحد الأمرين فسبيل قوله : فحج آدم موسى هذا السبيل ، وقد ظهر هذا في قضية آدم قال الله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة }

. إلى أن قال : فجاء من هذا أن آدم لم يتهيأ له أن يستديم سكنى الجنة [ إلا ] بأن لا يقرب الشجرة . لسابق القضاء المكتوب عليه في الخروج منها وبهذا صال على موسى عند المحاجة . وبهذا المعنى قضي له على موسى فقال : فحج آدم موسى . قلت : ولهذا يقول الشيخ عبد القادر - قدس الله روحه - كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا لقدر لا موافقا له وهو - رضي الله عنه - كان يعظم الأمر والنهي ويوصي باتباع ذلك وينهى عن الاحتجاج بالقدر وكذلك شيخه حماد الدباس وذلك لما رأوه في [ ص: 307 ] كثير من السالكين من الوقوف عند القدر المعارض للأمر والنهي والعبد مأمور بأن يجاهد في سبيل الله ، ويدفع ما قدر من المعاصي بما يقدر من الطاعة فهو منازع للمقدور المحظور بالمقدور المأمور لله تعالى وهذا هو دين الله الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين - . وممن يشبه هؤلاء كثير من الفلاسفة : كقول ابن سينا بأن يشهد سر القدر .

والرازي يقرر ذلك ; لأنه كان جبريا محضا . وفي الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من الخاصة من أهل العلم والعبادة فضلا عن العامة وهو مناقض لدين الإسلام . ومن هؤلاء من يقول : الخضر إنما سقط عنه الملام لأنه كان مشاهدا لحقيقة القدر . ومن شيوخ هؤلاء من كان يقول : لو قتلت سبعين نبيا لما كنت مخطئا . ومنهم من يقول : بطرد قوله بحسب الإمكان فيقول : كل من قدر على فعل شيء وفعله فلا ملام عليه فإن قدر أنه خالف غرض غيره فذلك ينازعه والأقوى منهما يقمر الآخر فأيهما أعانه القدر فهو المصيب باعتبار أنه غالب وإلا فما ثم خطأ .

ومن هؤلاء " الاتحادية " الذين يقولون : الوجود واحد ثم يقولون : [ ص: 308 ] بعضه أفضل من بعض ، والأفضل يستحق أن يكون ربا للمفضول . ويقولون : إن فرعون كان صادقا في قوله : { أنا ربكم الأعلى } . وهذا قول طائفة من ملاحدة المتصوفة المتفلسفة الاتحادية : كالتلمساني . والقول بالاتحاد العام المسمى وحدة الوجود هو قول ابن عربي الطائي وصاحبه القونوي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم ; لكن لهم في المعاد والجزاء نزاع كما أن لهم نزاعا في أن الوجود هل هو شيء غير الذوات أم لا وهؤلاء ضلوا من وجوه : منها جهة عدم الفرق بين الوجود الخالق والمخلوق .

وأما شهود القدر فيقال : لا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه ، والقدر هو قدرة الله - كما قال الإمام أحمد - وهو المقدر لكل ما هو كائن ; لكن [ هذا لا ينفي ] حقيقة الأمر والنهي - والوعد والوعيد وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به نعيم ومنها ما يضر صاحبه فيحصل له به عذاب - فنحن لا ننكر اشتراك الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء الأمور . لكن نثبت فرقا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور فإن العاقبة للتقوى ; لا لغير المتقين .

وقد قال تعالى : { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } وقال تعالى : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } . وإذا كان كذلك فحقيقة الفرق : أن من الأمور ما هو ملائم للإنسان نافع له فيحصل له به اللذة . ومنها ما هو مضاد له ضار له يحصل به الألم فرجع [ ص: 309 ] الفرق إلى الفرق بين اللذة والألم .

وأسباب هذا وهذا . وهذا الفرق معلوم بالحس ، والعقل والشرع مجمع عليه بين الأولين والآخرين ; بل هو معلوم عند البهائم . بل هذا موجود في جميع المخلوقات وإذا أثبتنا الفرق بين الحسنات والسيئات وهو الفرق بين الحسن والقبيح فالفرق يرجع إلى هذا . والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائما للإنسان وبعضها منافيا له إذا قيل : هذا حسن وهذا قبيح . فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث