الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج

الحكم التاسع

( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون )

قوله تعالى : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : نقل عن ابن عباس أنه قال : ما كان قوم أقل سؤالا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سألوا عن أربعة عشر حرفا فأجيبوا .

وأقول : ثمانية منها في سورة البقرة :

أولها : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) [ البقرة : 186 ] .

وثانيها : هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة ، فالمجموع ثمانية من هذه السورة .

والتاسع : قوله تعالى في سورة المائدة : ( يسألونك ماذا أحل لهم ) [ المائدة : 4 ] .

والعاشر : في سورة الأنفال ( يسألونك عن الأنفال ) [ الأنفال : 1 ] .

والحادي عشر : في بني إسرائيل ( ويسألونك عن الروح ) [ الإسراء : 85 ] .

والثاني عشر : في الكهف ( ويسألونك عن ذي القرنين ) [ الكهف : 83 ] .

والثالث عشر : في طه ( ويسألونك عن الجبال ) [ طه : 105 ] .

والرابع عشر : في النازعات ( يسألونك عن الساعة ) [ النازعات : 42 ] .

ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب : اثنان منها في الأول في شرح المبدأ :

فالأول : قوله : ( وإذا سألك عبادي عني ) [ البقرة : 186 ] وهذا سؤال عن الذات .

والثاني : قوله ( يسألونك عن الأهلة ) ، وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه ، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد :

أحدهما : قوله : ( ويسألونك عن الجبال ) [ طه : 105 ] .

والثاني : قوله : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) [ النازعات : 42 ] ، ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان :

أولاهما : ( يا أيها الناس ) أحدهما في النصف الأول ، وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول ، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثتها آل عمران ورابعتها النساء ، وثانيتهما في النصف الثاني من القرآن وهي أيضا السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم ، وثانيتها طه ، وثالثتها الأنبياء ، ورابعتها الحج ، ثم ( يا أيها الناس ) التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ ، فقال ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) [ النساء : 1 ] ، و ( يا أيها الناس ) التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) [ الحج : 1 ] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية ، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده .

المسألة الثانية : روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول [ ص: 103 ] الله : ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس ، فنزلت هذه الآية ويروى أيضا عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة .

واعلم أن قوله تعالى : ( يسألونك عن الأهلة ) ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا ، لكن الجواب كالدال على موضع السؤال ؛ لأن قوله : ( قل هي مواقيت للناس والحج ) يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة ، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث