الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في حكم المطرب كالطنبور والعود

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في حكم المطرب كالطنبور والعود : ولو لم يقارنها غناء جميعها فمنها ذوو الأوتار دون تقيد ( ولو لم يقارنها ) أي آلات اللهو ( غناء ) بالمد ككساء ما طربه من الأصوات والألحان فتحرم ( جميعها ) ولو مفردة أو كل واحدة منها مفردة بنفسها ، قال الإمام النووي في روضه : القسم الثاني أنه يغني ببعض آلات الغناء بما هو من شعار شاربي الخمور وهو مطرب كالطنبور والعود والصنج وسائر المعازف والأوتار يحرم استماعه واستعماله . قال وفي اليراع وجهان صحح البغوي التحريم ثم ذكر عن الغزالي الجواز ، قال والصحيح تحريم اليراع وهو الشبابة . وقد صنف أبو القاسم الدولعي كتابا في تحريم اليراع .

وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة . فقال في فتاويه : وأما إباحة هذا السماع تحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاجتماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين ، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والخلاف أنه أباح هذا السماع .

والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة مفردة والدف مفردا . قال فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد خلافا بين الشافعين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي ، وذلك وهم بين من الصائر إليه تنادي عليه أدلة الشرع والعقل مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ويعتمد عليه .

ومن يتتبع ما اختلف فيه العلماء أو أخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد . انتهى .

[ ص: 151 ] والذي جزم به علماؤنا وقطع به في الإقناع والمنتهى والغاية حرمة كل ملهاة سوى الدف كمزمار وطنبور ورباب وجنك وناي ومعزفة وجفانة وعود وزمارة الراعي ونحوها ، سواء استعملت لحزن أو لمرور ، ولهذا قال الناظم رحمه الله تعالى ( فمنها ) أي من آلات اللهو يعني من أنواعها وأقسامها ( ذوو ) أي أصحاب ( الأوتار ) جمع وتر بالتحريك شرعة القوس ومعلقها ويصنع للعود ونحوه فكلها محرمة ( دون تقيد ) أي من غير قيد لنوع منها بل جميعها محرمة منهي عنها .

وأما الطبل فكرهه الإمام أحمد رضي الله عنه لغير حرب ، واستحبه ابن عقيل في الحرب وقال لتنهيض طباع الأولياء وكشف صدور الأعداء . قال وليس عبثا فقد أرسل الله الرياح والرعود قبل الغيوث ، والنفخ في الصور للبعث . وشرع ضرب الدف في النكاح ، وفي الحج العج والثج ، حكاه عنه في الفروع والإنصاف وشرح المنتهى للمصنف وغيرهم . وقال في الفروع أيضا : قال الإمام أحمد رضي الله عنه : أكره الطبل وهو الكوبة نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .

ونقل ابن منصور : الطبل ليس فيه رخصة وفي عيون المسائل وغيرها فيمن أتلف آلة لهو : الدف مندوب إليه في النكاح لأمر الشارع بخلاف العود والطبل فإنه لا يباح استعماله والتلهي به بحال . وفي الإنصاف في تحريم الضرب بالقضيب وجهان وأطلقهما في الفروع . وقدم في ، الرعايتين والحاوي الصغير الكراهة . وقال في المغني : لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه . وجزم ابن عبدوس في تذكرته بالتحريم . انتهى . قال في تصحيح الفروع : قوله وفي القضيب وجهان انتهى .

يعني هل يحرم اللعب بالقضيب أم لا ، أحدهما لا يحرم بل يكره ، وبه قطع في آداب المستوعب وقدمه في الرعايتين والحاوي الصغير .

والوجه الثاني يحرم وهو الصواب ، وبه قطع ابن عبدوس في تذكرته انتهى .

[ ص: 152 ] وفي غنية سيدنا الشيخ عبد القادر قدس الله روحه : يكره تخريق الثياب للمتواجد عند السماع ، ويجوز سماع القول بالقضيب ويكره الرقص . انتهى . وقد علمت أن القاضي علاء الدين صوب في تصحيح الفروع التحريم وهو المذهب ، والله تعالى أعلم .

( تنبيه ) : كره الإمام أحمد التغبير ونهى عن استماعه وقال بدعة ومحدث . ونقل أبو داود لا يعجبني . ونقل يوسف لا يستمعه ، قيل هو بدعة ؟ قال حسبك . وفي المستوعب منع إطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه لأنه شعر ملحن كالحداء والحدو للإبل ونحوه . الحدو سوق الإبل والغناء لها . وقد حدوت الإبل حدوا واحدا بمعنى واحد إذا ساقها وزجرها كما في القاموس وفيه أيضا المغبرون قوم يغبرون بذكر الله تعالى أي يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها ، سموا بها لأنهم يرغبون الناس في الغابرة أي الباقية . انتهى .

وقال الصغاني في كتاب مجمع البحرين : المغبرة قوم يغبرون ويذكرون الله عز وجل بدعاء وتضرع كما قال : عبادك المغبرة رش علينا المغفرة . وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر تغبيرا لأنهم إذا تناشدوه بالألحان طربوا فرقصوا وأهزجوا فسموا المغبرة لهذا المعنى . وقال ابن دريد : التغبير تهليل أو ترديد صوت يردد بقراءة أو غيرها .

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : أرى الزنادقة وضعوا هذا التغبير ليصدوا الناس عن ذكر الله تعالى وقراءة القرآن . وقال الزجاج : مغبرين لتزهيدهم الناس في الفانية وهي الدنيا وترغيبهم إياهم في الآخرة وهي الغابرة الباقية . انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث