الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 463 ] كتاب النذور

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " من نذر أن يمشي إلى بيت الله لزمه إن قدر على المشي ، وإن لم يقدر ركب وأهراق دما احتياطا من قبل أنه إذا لم يطق شيئا سقط عنه ، ولا يمشي أحد إلى بيت الله ، إلا أن يكون حاجا أو معتمرا " .

قال الماوردي : أما النذر في اللغة ، فهو الوعد بخير أو بشر ، قال عنترة العبسي :


الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لم ألقهما دمي



وأما النذر في الشرع ، فهو الوعد بالخير ، دون الشر ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا نذر في معصية والأصل في وجوب الوفاء بالنذور كتاب الله وسنة رسوله . قال الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [ المائدة : 1 ] ، وقال تعالى : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا [ الإسراء : 24 ] ، يعني مسئولا عنه ، وفي الفرق بين العقد والعهد وجهان :

أحدهما : أن العقد ما كان بين متعاقدين ، والعهد قد ينفرد فيه الإنسان في حقه نفسه .

والوجه الثاني : أن العقد إلزام بوثيقة ، والعهد إلزام بغير وثيقة ، فصار العقد أوكد من العهد ، فأمر في هاتين الآيتين بالوفاء .

وقال تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا [ النحل : 16 ] ، فجمع في هذه الآية بين الأمر بالوفاء وبين النهي عن نقضه ، ثم حمد من وفى بنذره فقال : يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا [ الإنسان : 7 ] ، وحمد من وفى بعهده فقال : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا [ البقرة : 177 ] ثم ذم وتوعد من لم يف بعهده ، ولم يف بنذره فقال تعالى : ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآيات إلى قوله تعالى : وبما كانوا يكذبون [ التوبة : 75 ، 76 ، 77 ] وهذا نزل في ثعلبة بن حاطب الأنصاري وفي سبب نزوله فيه قولان :

[ ص: 464 ] أحدهما : أنه كان له مال بالشام خاف هلاكه ، فنذر إن وصل إليه أن يتصدق منه ، فلما قدم عليه بخل به وهذا قول الكلبي .

والثاني : أن مولى لعمر قتل حميما له فنذر إن وصل إلى الدية أن يخرج حق الله تعالى منها ، فلما وصلت إليه بخل بحق الله تعالى منها وهذا قول مقاتل ، فلما بلغ ثعلبة ما نزل فيه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله أن يقبل صدقته فقال : إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقتك ، فحثا القراب على رأسه ، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل من صدقته شيئا ، ثم أتى بعده أبا بكر فلم يقبلها منه ، ثم أتى بعده عمر فلم يقبلها منه ، ثم أتى بعده عثمان فلم يقبلها منه ، ومات في أيامه ، وهذا من أشد وعيد ، وأعظم زجر في نقض العهود ، ومنع النذور .

ويدل عليه من السنة ما رواه الشافعي ، عن مالك ، عن طلحة بن عبد الملك ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه وروى الشافعي ، عن سفيان ، عن محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال الله تعالى : إن النذر لا يأتي على ابن آدم شيئا لم أقدره عليه ، ولكنه شيء أستخرج به من البخيل ، يؤتيني عليه ما لا يؤتيني على البخل .

فدل هذا الحديث على أن ما يبذله من البر أفضل مما يلتزمه بالنذر .

وروى نافع عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن عمر قال : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوف بنذرك ؛ ولأن ضمان الحقوق نوعان : حق لله تعالى ، وحق للآدميين ، فلما جاز أن تتبرع بالضمان في حقوق الآدميين ، جاز أن تتبرع لضمان في حقوق الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث