الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فيه خمسة أقوال :

                                                                                                                                                                                                              الأول : إلا الذين تابوا من أهل الكفر ; قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : إلا الذين تابوا وقد حاربوا بأرض الشرك .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : إلا المؤمنين الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم .

                                                                                                                                                                                                              الرابع : إلا الذين تابوا في حقوق الله ; قاله الشافعي ومالك ; إلا أن مالكا قال : وفي حقوق الآدميين ، إلا أن يكون بيده مال يعرف ، أو يقوم ولي يطلب دمه فله أخذه والقصاص منه .

                                                                                                                                                                                                              الخامس : قال الليث بن سعد : لا يطلب بشيء لا من حقوق الله ولا من حقوق الآدميين . [ ص: 102 ] أما قول من قال : إن الآية في المشركين فهو الذي يقول إن قوله تعالى : { إلا الذين تابوا } عائد عليهم .

                                                                                                                                                                                                              وقد بينا ضعفه . وأما من قال : إنه أراد إلا الذين تابوا ممن هو بأرض الشرك فهو تخصيص طريف ، وله وجه طريف ; وهو أن قوله : { من قبل أن تقدروا عليهم } يعطي أنهم بغير أرض أهل الإسلام ; ولكن كل من هو في دار الإسلام تأخذه الأحكام وتستولي عليه القدرة ، وهذا إذا تبينته لم يصح تنزيله ; فإن الذي يقدر عليه هو الذي يكون بين المسلمين ، فأما الذي خرج إلى الجبل ، وتوسط البيداء في منعة فلا تتفق القدرة عليه إلا بجر جيش ونفير قوم ; فلا يقال : إنا قادرون عليه .

                                                                                                                                                                                                              وأما من قال : أراد به المؤمنين ، فيرجع إلى الرابع والخامس . قلنا : إنا نقول هو على عمومه في الحقوق كلها أو في بعضها . فأما من قال : إنه على عمومه في الحقوق كلها فقد علمنا بطلان ذلك بما قام من الدليل على أن حقوق الآدميين لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها ، ولا يسقطها إلا بإسقاطه . فإن قيل : فقد قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } . فكانت هذه المغفرة عامة في كل حق . قلنا : هذه مغفرة عامة بلا خلاف للمصلحة في التحريض لأهل الكفر على الدخول في الإسلام ; فأما من التزم حكم الإسلام فلا يسقط عنه حقوق المسلمين إلا أربابها . وقد { قال النبي صلى الله عليه وسلم في الشهادة : إنها تكفر كل خطيئة إلا الدين } . وأما من قال : إن حكمها أنها تكفر حقوق الله تعالى فهو صحيح لقوله تعالى : { فاعلموا أن الله غفور رحيم } . وأما من قال في حقوق الآدميين : إن الإمام لا يتولى طلبها ، وإنما يطلبها [ ص: 103 ] أربابها وهو مذهب مالك فصحيح ; لأن الإمام ليس بوكيل لمعينين من الناس في حقوقهم المعينة ، وإنما هو نائبهم في حقوقهم المجملة المبهمة التي ليست بمعينة . وأما إن عرفنا بيده مالا لأحد أخذه في الحرابة فلا نبقيه في يده لأنه غصب ، ونحن نشاهده ، والإقرار على المنكر لا يجوز ، فيكون بيد صاحبه المسلم حتى يأخذه مالكه من يد صاحبه وأخيه الذي يوقفه الإمام عنده .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية