الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الله أعلم حيث يجعل رسالاته

اعتراض للرد على قولهم : حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله على كلا الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك .

فعلى الوجه الأول في معنى قولهم : حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يكون قوله : الله أعلم حيث يجعل رسالاته ردا بأن الله أعلم بالمعجزات اللائقة بالقوم المرسل إليهم ؛ فتكون ( حيث ) مجازا في المكان الاعتباري للمعجزة ، وهم القوم الذين يظهرها أحد منهم ، جعلوا كأنهم مكان لظهور المعجزة . والرسالات مطلقة على المعجزات ؛ لأنها شبيهة برسالة يرسلها الله إلى الناس ، وقريب من هذا قول علماء الكلام : وجه [ ص: 54 ] دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أن المعجزة قائمة مقام قول الله ( صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني ) بأمارة أني أخرق العادة دليلا على تصديقه ؛ وعلى الوجه الثاني ، في معنى قولهم : حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يكون قوله : الله أعلم حيث يجعل رسالاته ردا عليهم بأن الرسالة لا تعطى بسؤال سائلها ، مع التعريض بأن أمثالهم ليسوا بأهل لها ، فماصدق ( حيث ) الشخص الذي اصطفاه الله لرسالته .

و ( حيث ) هنا اسم دال على المكان مستعارة للمبعوث بالرسالة ، بناء على تشبيه الرسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة ، على طريقة الاستعارة المكنية ، وإثبات المكان تخييل ، وهو استعارة أخرى مصرحة بتشبيه الرسل بمكان إقامة الرسالة .

وليست ( حيث ) هنا ظرفا بل هي اسم للمكان مجرد عن الظرفية ؛ لأن حيث ظرف متصرف ، على رأي المحققين من النحاة ، فهي هنا في محل نصب بنزع الخافض وهو الباء ؛ لأن أعلم اسم تفضيل لا ينصب المفعول ، وذلك كقوله تعالى : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله كما تقدم آنفا .

وجملة يجعل رسالاته صفة لـ ( حيث ) إذا كانت ( حيث ) مجردة عن الظرفية ، ويتعين أن يكون رابط جملة الصفة بالموصوف محذوفا ، والتقدير : حيث يجعل فيه رسالاته .

وقد أفادت الآية أن الرسالة ليست مما ينال بالأماني ولا بالتشهي ، ولكن الله يعلم من يصلح لها ومن لا يصلح ، ولو علم من يصلح لها وأراد إرساله لأرسله ، فإن النفوس متفاوتة في قبول الفيض الإلهي والاستعداد له والطاقة على الاضطلاع بحمله ، فلا تصلح للرسالة إلا نفس خلقت قريبة من النفوس الملكية ، بعيدة عن رذائل الحيوانية ، سليمة من الأدواء القلبية .

[ ص: 55 ] فالآية دالة على أن الرسول يخلق خلقة مناسبة لمراد الله من إرساله ، والله حين خلقه عالم بأنه سيرسله ، وقد يخلق الله نفوسا صالحة للرسالة ولا تكون حكمة في إرسال أربابها ، فالاستعداد مهيئ لاصطفاء الله تعالى ، وليس موجبا له ، وذلك معنى قول بعض المتكلمين : إن الاستعداد الذاتي ليس بموجب للرسالة خلافا للفلاسفة ، ولعل مراد الفلاسفة لا يبعد عن مراد المتكلمين ، وقد أشار ابن سينا في الإشارات إلى شيء من هذا في النمط التاسع .

وفي قوله : الله أعلم حيث يجعل رسالاته بيان لعظيم مقدار النبيء صلى الله عليه وسلم ، وتنبيه لانحطاط نفوس سادة المشركين عن نوال مرتبة النبوءة وانعدام استعدادهم ، كما قيل في المثل : ليس بعشك فادرجي .

وقرأ الجمهور : ( رسالاته ) بالجمع ، وقرأ ابن كثير ، وحفص عن عاصم بالإفراد ، ولما كان المراد الجنس استوى الجمع والمفرد .

التالي السابق


الخدمات العلمية