الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العذر في المعاملة

[ ص: 56 ] قال - رحمه الله - : وإذا دفع إلى رجل نخلا له معاملة على أن يقوم عليه ، ويسقيه ، ويلقحه فما أخرج الله - تعالى - في شيء منه فهو بينهما نصفان ، فقام عليه ، ولقحه حتى إذا صار بسرا أخضر مات صاحب الأرض فقد انتقضت المعاملة بينهما في القياس ، وكان البسر بين ورثة صاحب الأرض ، وبين العامل نصفين ; لأن صاحب الأرض استأجر العامل ببعض الخارج ، ولو استأجره بدراهم انتقضت الإجارة بموت أحدهما أيهما مات ، فكذلك إذا استأجره ببعض الخارج ثم انتقاضها بموت أحدهما بمنزلة اتفاقهما على نقضها في حياتهما ، ولو نقضاه ، والخارج بسر كان بينهما نصفين ، ولكنه استحسن فقال : للعامل أن يقوم عليه ، كما كان يقوم حتى يدرك الثمر ، وإن كره ذلك الورثة ; لأن في انتقاض العقد بموت رب الأرض إضرارا بالعامل ، وإبطالا لما كان مستحقا له بعقد المعاملة ، وهو ترك الثمار في الأشجار إلى وقت الإدراك ، وإن انتقض العقد يكلف الجداد قبل الإدراك ، وفيه ضرر عليه ، وكما يجوز نقض الإجارة لدفع الضرر يجوز إبقاؤها لدفع الضرر ، وكما يجوز أن ينعقد العقد ابتداء لدفع الضرر يجوز إبقاؤه لدفع الضرر بطريق الأولى ، وإن قال العامل : أنا آخذ نصف البسر له ذلك ; لأن إبقاء العقد لدفع الضرر عنه ، فإذا رضي بالتزام الضرر انتقض العقد بموت رب الأرض إلا أنه لا يملك إلحاق الضرر بورثة رب الأرض ، فيثبت الخيار للورثة فإن شاءوا صرموا البسر ، فقسموه نصفين ، وإن شاءوا أعطوه نصف قيمة البسر ، وصار البسر كله لهم وإن شاءوا أنفقوا على البسر حتى يبلغ ، ويرجعوا بنصف نفقتهم في حصة العامل من الثمر ، لتحقق المساواة بينهما في ملك البسر ، واختصاص الورثة بملك النخل والأرض . واتصال الثمر بالنخل كاتصال النخل بالأرض ، واتصال البناء بالأرض ، وقد بينا أن هناك عقد الشركة في النخل والبناء يكون الخيار لصاحب الأرض بين هذه الأشياء الثلاثة ، فهذا مثله ، ولو كان مات العامل فلورثته أن يقوموا عليه ، وإن كرهه صاحب الأرض ; لأنهم قائمون مقامه ، وفي قيامهم على النخل تحصيل مقصود رب النخل ، وتوفير حقهم عليهم بترك نصيب مورثهم من الثمر في النخل إلى وقت الإدراك ، كما صار مستحقا له ، فلا يكون لرب النخل أن يأبى ذلك عليهم ، وإن قالت الورثة : نحن نصرمه بسرا كان لصاحب الأرض من الخيار مثل ما وصفنا لورثته في الوجه الأول ، ولو ماتا جميعا كان الخيار في القيام عليه أو تركه إلى [ ص: 57 ] ورثة العامل ; لأنهم يقومون مقام العامل ، وقد كان له في حياته هذا الخيار بعد موت رب الأرض ، فكذلك يكون لورثته بعد موته ، وليس هذا من باب توريث الخيار بل من باب خلافة الوارث المورث فيما هو حق مالي مستحق له ، وهو ترك الثمار على النخيل إلى وقت الإدراك ، فإن أبوا أن يقوموا عليه كان الخيار إلى ورثة صاحب الأرض على ما وصفنا في الوجه الأول ، ولو لم يمت واحد منهما ، ولكن انقضت مدة المعاملة والبسر أخضر ، فهذا والأول سواء ، والخيار فيه إلى العامل ، فإن شاء عمل على ما كان يعمل حتى يبلغ الثمر ، ويكون بينهما نصفين فإن في الأمر بالجذاذ قبل الإدراك إضرارا بهما ، والضرر مدفوع ، وقد تقدم نظيره في الزرع إلا أن هناك العامل إذا اختار الترك فعليه نصف أجر مثل الأرض ; لأن استئجار الأرض صحيح ، فينعقد بينهما عقد الإجارة على نصف الأرض إلى وقت الإدراك ، وهنا لا أجر على العامل ; لأن استئجار النخيل لترك الثمار عليها إلى وقت الإدراك باطل .

( ألا ترى ) أن من اشترى زرعا في أرض ثم استأجر الأرض مدة معلومة جاز ، ولو استأجرها إلى وقت الإدراك وجب أجر المثل ، ولو اشترى ثمارا على رءوس الأشجار ثم استأجر الأشجار إلى وقت الإدراك لا يجب عليه أجر ، وإذا ظهر الفرق ابتنى على الفرق الآخر ، وهو أن هناك العمل عليهما بحسب ملكهما في الزرع ; لأن رب الأرض لما استوجب الأجر على العامل لا يستوجب عليه العمل في نصيبه بعد انتهاء المدة ، وهنا العمل على العامل في الكل ; لأنه لا يستوجب رب النخيل عليه أجرا بعد انقضاء المدة ، كما كان لا يستوجب عليه ذلك قبل انقضاء المدة ، فيكون العمل كله على العامل إلى وقت الإدراك ، كما قبل انقضاء المدة ، وإن أبى ذلك العامل خير رب النخيل بين الوجوه الثلاثة ، كما بينا ، ولو لم ينقض المعاملة ، ولكنه لحق رب النخل دين فادح لا وفاء عنده إلا ببيع النخل ، وفي النخل بسر أو طلع ، ولم يجبر على بيع النخل ، ويخرج من السجن حتى يبلغ الثمر ، وتنقضي المعاملة ثم يعاد في السجن حتى يقضي الدين ; لما بينا أن في البيع قبل الإدراك ضررا بالعامل في إبطال حقه ، وفي الترك إضرار بالغرماء في تأخير حقهم ، وبمقابلة هذا الضرر منفعة لهم ، وهو إدراك نصيب غريمهم من الثمر ; ليباع في دينهم فتكون مراعاة هذا الجانب أولى ، ولو مات أحدهما أو انقضت المدة أو لحق صاحب الأرض دين فادح ، وقد سقى العامل النخل ، وقام عليه ، وحفظه إلا أنه لم يخرج شيئا انقضت المعاملة ، ولم يكن له من منفعته شيء على الذي دفع إليه معاملة ; لأن المعاملة شركة في الخارج فإذا لم يحصل الخارج بعد لم تنعقد الشركة [ ص: 58 ] بينهما في شيء فاعتراض هذه العوارض قبل انعقاد الشركة ، كاعتراضها في المزارعة قبل إلقاء البذر في الأرض ، وقد بينا أن هناك العقد ينتقض ، ولا شيء للعامل على رب الأرض ; لأن تقوم منافعه بالمسمى ، ولم يحصل شيء منه ، فهذا مثله ، ولو كان الطلع قد خرج ، وهو اسم لأول ما يبدو مما هو أصل التمر من النخل أو صار بسرا ثم استحقت الأرض كان النخل وما فيه للمستحق ; لأن النخل تبع للأرض كالبناء ، وكما أن باستحقاق الأرض يستحق البناء ، فكذلك يستحق النخل ، والتمر زيادة متولدة من النخل ، والاستحقاق بحجة البينة يثبت في الزيادة المتصلة والمنفصلة جميعا إذا كانت متولدة ثم يرجع العامل على الذي دفع إليه النخل معاملة بأجر مثله فيما عمل ; لأنه كان استأجره بنصف الخارج ، وقد حصل الخارج ثم لم يسلم له باستحقاق الأرض ، فيفسد العقد ، ويبقى عمله مستوفى بعمل فاسد فيستوجب أجر المثل ، كما لو استأجره للعمل بشيء بعينه ، فاستحق بعد ما أقام العمل

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث