الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء لا وتران في ليلة

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء لا وتران في ليلة

470 حدثنا هناد حدثنا ملازم بن عمرو حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا وتران في ليلة قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب واختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم نقض الوتر وقالوا يضيف إليها ركعة ويصلي ما بدا له ثم يوتر في آخر صلاته لأنه لا وتران في ليلة وهو الذي ذهب إليه إسحق وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إذا أوتر من أول الليل ثم نام ثم قام من آخر الليل فإنه يصلي ما بدا له ولا ينقض وتره ويدع وتره على ما كان وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأهل الكوفة وأحمد وهذا أصح لأنه قد روي من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بعد الوتر [ ص: 469 ]

التالي السابق


[ ص: 469 ] قوله : ( أخبرنا ملازم بن عمرو ) هو ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر اليمامي صدوق من الثامنة ( حدثني عبد الله بن بدر ) اليمامي عن ابن عباس وطلق بن علي وعنه سبطه ملازم بن عمرو وعكرمة بن عمار وثقه ابن معين وأبو زرعة كذا في الخلاصة .

قوله : ( لا وتران في ليلة ) قال ابن العربي في عارضة الأحوذي : معناه أن من أوتر في آخر الليل ، ثم صلى بعد ذلك لا يعيد الوتر ، انتهى .

قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه كذا في المنتقى . وقال الشوكاني في النيل : قال عبد الحق وغير الترمذي صححه وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه ( فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم نقض الوتر وقالوا يضيف إليها ركعة إلخ ) روى محمد بن نصر في قيام الليل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : إني إذا أردت أن أقوم من الليل أوترت بركعة فإذا قمت ضممت إليها ركعة فما شبهتها إلا بالغريبة من الإبل تضم إلى الإبل . وقاله سعد بن مالك : أما أنا فإذا أردت أن أصلي من الليل أوترت بركعة فإذا استيقظت صليت إليها ركعة ، ثم صليت ركعتين ركعتين ، ثم أوترت . وعن سالم كان ابن عمر رضي الله عنه إذا أوتر أول الليل ، ثم قام يصلي يشفع وتره الأول بركعة ، ثم يصلي بوتر . وعن ابن عباس أنه قال : إذا أوتر الرجل من أول الليل ، ثم أراد أن يصلي شفع وتره بركعة ، ثم صلى ما بدا له ، ثم أوتر من آخر صلاته . وعن أسامة بمعناه . وعن هشام بن عروة : كان أبي يوتر أول الليل فإذا قام شفع ، انتهى باختصار .

[ ص: 470 ] واحتج هؤلاء بحديث الباب ، واحتجوا أيضا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا ، فقالوا إذا هو قام من الليل فلم يشفع وتره وصلى مثنى مثنى ، ثم لم يوتر في آخر صلاته كان قد جعل صلاته من الليل شفعا لا وترا وترك قول النبي صلى الله عليه وسلم : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ، كذا في قيام الليل ، واحتجوا أيضا بآثار الصحابة المذكورين رضي الله عنهم .

قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه ، وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه . قال عبد الحق : وغير الترمذي صححه .

قوله : ( وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : إذا أوتر من أول الليل ، ثم نام ، ثم قام من آخره أنه يصلي ما بدا له ولا ينقض وتره إلخ ) روى محمد بن نصر في قيام الليل عن عائشة عن أبي بكر الصديق أنه كان يوتر قبل أن ينام ، فإذا قام من الليل صلى مثنى مثنى حتى يفرغ مما يريد أن يصلي : وعن عمار بن ياسر وقد سئل عن الوتر فقال : أما أنا فأوتر قبل أن أنام فإن رزقني الله شيئا صليت شفعا شفعا إلى أن أصبح . وعن عائشة : الذين ينقضون وترهم هم الذين يلعبون بصلاتهم . وروي عن ابن عباس أيضا بنحوه . وعنه في رواية : في الذي يوتر ثم يريد أن يصلي قال : يصلي مثنى مثنى ، وفي رواية : حسبه وتره الأول . وعنه لما بلغه فعل ابن عمر لم يعجبه وقال : إن ابن عمر يوتر في ليلة ثلاث مرات . وعن أبي هريرة إذا صليت العشاء صليت بعدها خمس ركعات ، ثم أنام فإن قمت صليت مثنى مثنى وإن أصبحت أصبحت على وتر . وسئل رافع بن خديج عن الوتر فقال : أما أنا فإني أوتر من أول الليل فإن رزقت شيئا من آخره صليت ركعتين ركعتين حتى أصبح .

قوله : ( وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد وابن المبارك وهذا أصح ) وقال محمد بن نصر في قيام الليل : وهذا مذهب الشافعي وأحمد وهو أحب إلي ، وإن شفع وتره اتباعا للأخبار التي رويناها رأيته جائزا ، انتهى . وقال العراقي : وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وقالوا : إن من أوتر وأراد الصلاة بعد ذلك لا ينقض وتره ويصلي شفعا شفعا حتى يصبح ، انتهى . وهذا هو المختار عندي ولم أجد حديثا مرفوعا صحيحا يدل على ثبوت نقض الوتر والله تعالى أعلم .

[ ص: 471 ] قوله : ( لأنه قد روي من غير وجه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بعد الوتر ) وأجابوا عن القائلين بجواز نقض الوتر بأنه إذا أوتر الرجل أول الليل فقد قضى وتره ، فإذا هو نام بعد ذلك ، ثم قام وتوضأ وصلى ركعة أخرى فهذه صلاة غير تلك الصلاة وغير جائز في النظر أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى التي صلاها في أول الليل فلا يصيران صلاة واحدة وبينهما نوم وحدث ووضوء وكلام في الغالب إنما هما صلاتان متباينتان ، ومن فعل ذلك فقد أوتر مرتين ، ثم هو إذا أوتر أيضا في آخر صلاته صار موترا ثلاث مرات . وقد قال صلى الله عليه وسلم : اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا ، وهذا قد جعل الوتر في مواضع من صلاة الليل . وأيضا قال صلى الله عليه وسلم : لا وتران في ليلة ، وهذا قد أوتر ثلاث مرات ، وقال محمد بن نصر : وقد قال من ذهب هذا المذهب : قول النبي صلى الله عليه وسلم : اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا إنما هو ندب واختيار وليس بإيجاب . والدليل على ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الوتر بالليل ، قال : والدليل على ذلك أيضا أن ابن عمر الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا ، وهو الذي كان يشفع وتره . وروي عنه أنه سئل عمن قام من الليل وقد أوتر قبل أن ينام فصلى مثنى مثنى ولم يشفع وتره ، قال : ذلك حسن جميل ، فدل فتياه أنه رأى قوله : اجعلوا آخر صلاتكم وترا ندبا لا إيجابا ، ثم ذكر محمد بن نصر فتياه بسنده ، وكذلك قوله : صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة إنما هو ندب واختيار لا إيجاب ، والدليل عليه وتر النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وسبع وتسع لم يسلم إلا في آخرهن ، انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث