الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 577 ] ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا ، رضي الله عنه ، بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما ورد في ذلك من الأحاديث

لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل ، اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره ، فجاء إليه رجلان منهم ، وهما زرعة بن البرج الطائي ، وحرقوص بن زهير السعدي ، فقالا : لا حكم إلا لله . فقال علي : لا حكم إلا لله . فقال له حرقوص : تب إلى الله من خطيئتك ، وارجع عن قضيتك ، اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا . فقال علي : قد أردتكم على ذلك فأبيتم ، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وعهودا ، وقد قال الله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم الآية [ النحل : 91 ] . فقال له حرقوص : ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه . فقال علي : ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي ، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ، ونهيتكم عنه . فقال له زرعة بن البرج : أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه . فقال له : تبا لك ما [ ص: 578 ] أشقاك ! كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح . فقال : وددت أن قد كان ذلك . فقال له علي : إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا ، ولكن الشيطان قد استهواكم . فخرجا من عنده يحكمان أمرهما ، وفشى فيهم ذلك ، وجاهروا به الناس ، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن ، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه . فقام إليه جماعة منهم كل يقول : لا حكم إلا لله . وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [ الزمر : 65 ] . فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر يقول : حكم الله ننتظر فيكم . ثم قال : إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا .

وقال أبو مخنف ، عن عبد الملك بن أبي حرة أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة ، اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة ، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ثم قال : فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها ، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال ، أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه الأحكام الجائرة . ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه : إن المتاع بهذه الدنيا قليل ، وإن الفراق لها وشيك ، فلا [ ص: 579 ] تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . فقال سنان بن حمزة الأسدي : يا قوم إن الرأي ما رأيتم ، وإن الحق ما ذكرتم ، فولوا أمركم رجلا منكم ، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد ، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها . فبعثوا إلى زيد بن حصين الطائي - وكان من رءوسهم - فعرضوا عليه الإمارة عليهم فأبى ، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى ، ثم عرضوها على حمزة بن سنان فأبى ، ثم عرضوها على شريح بن أوفى العبسي فأبى ، ثم عرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها ، وقال : أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت . واجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصين الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله الآية [ ص : 26 ] . وقوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] . والتي بعدها وبعدها : الظالمون ، الفاسقون [ المائدة : 45 ، 47 ] . ثم قال : فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى ، ونبذوا حكم [ ص: 580 ] الكتاب ، وجاروا في القول والأعمال ، وأن جهادهم حق على المؤمنين . قال : فبكى رجل منهم يقال له : عبد الله بن شجرة السلمي . ثم حرض أولئك على الخروج على الناس ، وقال في كلامه : اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم ، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم ، آتاكم الله ثواب المطيعين له العاملين بأمره ، وإن قتلتم فأي شيء أفضل من الصبر والمصير إلى الله ورضوانه وجنته ؟

قلت : وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم ، فسبحان من نوع خلقه كما أراد ، وسبق في قدره ذلك . وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج : إنهم المذكورون في قوله تعالى : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [ الكهف : 103 - 105 ] . والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال ، والأشقياء في الأقوال والأفعال ، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين ، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ; ليملكوها ويتحصنوا بها ، ثم يبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على ما هم عليه من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها ، ويكون [ ص: 581 ] اجتماعهم عليها . فقال لهم زيد بن حصين الطائي : إن المدائن لا تقدرون عليها ، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم ، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخا ، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات ، ولكن اخرجوا وحدانا لئلا يشعروا بكم . فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها ، وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ، ليكونوا يدا واحدة على الناس ، ثم خرجوا يتسللون وحدانا ; لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأعمام والعمات وفارقوا سائر القرابات ، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسماوات ، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر والذنوب الموبقات ، والعظائم والخطيئات ، وأنه مما يزينه لهم إبليس وأنفسهم التي هي بالسوء أمارات . وقد تدارك جماعة منهم بعض أولادهم وقراباتهم وإخوانهم فردوهم ووبخوهم ، فمنهم من استمر على الاستقامة ، ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة ، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ، ووافى إليهم من [ ص: 582 ] كاتبوه من أهل البصرة وغيرها ، واجتمع الجميع بالنهروان ، وصارت لهم شوكة ومنعة ، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وثبات وصبر ، وعندهم أنهم متقربون بذلك إلى الله ، عز وجل ; فهم قوم لا يصطلى لهم بنار ، ولا يطمع أحد في أن يأخذ منهم بثأر ، وبالله المستعان .

وقال أبو مخنف ، عن أبي روق ، عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى الأشعري إلى مكة ، ورد ابن عباس إلى البصرة ، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال : الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ، والحدثان الجليل ، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدا رسول الله ، أما بعد ، فإن المعصية تورث الحسرة ، وتعقب الندم ، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري ، ونحلتكم رأيي ، فأبيتم إلا ما أردتم ، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن فأجاد :


بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

[ ص: 583 ] ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما فيما حكما به وأنبهما ، وبين ما في ذلك من هوى وزور ومحبة للدنيا ، وقلة نصح ونظر للأمة ، وحط عليهما ، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى أهل الشام والجهاد فيهم ، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه ، وكتب إلى ابن عباس والى البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام . وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما ، وأنه قد عزم على الذهاب إلى أهل الشام ، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم ، فكتبوا إليه : أما بعد ، فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك ، وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك ، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين [ الأنفال : 58 ] .

فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم ، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف - خمسة وستين ألفا - وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة ، ومع أبي الأسود الدئلي ألف وسبعمائة ، فكمل جيشه في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس .

وقام علي في الناس خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر عند اللقاء ; فبينما هو عازم على غزو أهل الشام إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا ، [ ص: 584 ] وسفكوا الدماء ، وقطعوا السبيل ، واستحلوا المحارم ، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا له : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وأنتم قد روعتموني . فقالوا : لا بأس عليك ، حدثنا ما سمعت من أبيك . فقال : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، فقادوه بيده ، فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم بسيفه فشق جلده ، فقال له آخر : لم فعلت هذا وهو لذمي ؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه . وبينما هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه ، فقال له آخر : بغير إذن ولا ثمن ؟ فألقاها ذاك من فمه ، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه ، وجاءوا إلى امرأته فقالت : إني امرأة حبلى ألا تتقون الله ، عز وجل ! فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها ، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم ، خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم ويفعلوا هذا الصنيع ، فخافوا غائلتهم ، وأشاروا على علي بأن يبدأ بهم ، ثم إذا فرغ منهم ساروا معه إلى الشام ، والناس آمنون من شرهم ، فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضا ; إذ لو قووا هؤلاء لأفسدوا الأرض كلها عراقا وشاما ، ولم يتركوا طفلا [ ص: 585 ] ولا طفلة ولا رجلا ولا امرأة ; لأن الناس عندهم قد فسدوا فسادا لا يصلحهم إلا القتل جملة . فأرسل علي إليهم الحارث بن مرة العبدي ، وقال له : اخبر لي خبرهم ، واعلم لي أمرهم ، واكتب إلي به على الجلية . فلما قدم عليهم الحارث قتلوه ولم ينظروه ، فلما بلغ ذلك عليا سار إليهم وترك أهل الشام .

[ ذكر مسير أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى الخوارج

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث