الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون

ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون

استئناف ابتدائي تهديد وموعظة وعبرة بتفريط أهل الضلالة في فائدة دعوة الرسل ، وتنبيه لجدوى إرسال الرسل إلى الأمم ؛ ليعيد المشركون نظرا في أمرهم ما داموا في هذه الدار قبل يوم الحشر ، ويعلموا أن عاقبة الإعراض عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم خسرى ، فيتداركوا أمرهم خشية الفوات ، وإنذار باقتراب نزول العذاب بهم ، وإيقاظ للمشركين بأن حالهم كحال المتحدث عنهم إذا ماتوا على شركهم .

والإشارة بقوله : ( ذلك ) إلى مذكور في الكلام السابق ، وهو أقرب مذكور ، كما هو شأن الإشارة إلى غير محسوس ، فالمشار إليه هو المذكور [ ص: 81 ] قبل ، أو هو إتيان الرسل الذي جرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم إليهم ، وهو المصدر المأخوذ من قوله : ألم يأتكم رسل منكم فإنه لما حكى ذلك القول للناس السامعين ، صار ذلك القول المحكي كالحاضر ، فصح أن يشار إلى شيء يؤخذ منه .

واسم الإشارة إما مبتدأ أو خبر لمحذوف تقديره : ذلك الأمر أو الأمر ذلك ، كما يدل عليه ضمير الشأن المقدر بعد ( أن ) .

و ( أن ) مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، كما هو استعمالها عند التخفيف ؛ وذلك لأن هذا الخبر له شأن يجدر أن يعرف ، والجملة خبر ( أن ) وحذفت لام التعليل الداخلة على أن لأن حذف جار ( أن ) كثير شائع ، والتقدير : ذلك الأمر ، أو الأمر ذلك ؛ لأنه أي الشأن لم يكن ربك مهلك القرى .

وجملة لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون هو شأن عظيم من شئون الله تعالى ، وهو شأن عدله ورحمته ، ورضاه لعباده الخير والصلاح ، وكراهيته سوء أعمالهم ، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير ، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدم إليهم بالإنذار والتنبيه .

وفي الكلام إيجاز ؛ إذ علم منه : أن الله يهلك القرى المسترسل أهلها على الشرك إذا أعرضوا عن دعوة الرسل ، وأنه لا يهلكهم إلا بعد أن يرسل إليهم رسلا منذرين ، وأنه أراد حمل تبعة هلاكهم عليهم ، حتى لا يبقى في نفوسهم أن يقولوا : لولا رحمنا ربنا فأنبأنا وأعذر إلينا ، كما قال تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله أي : محمد صلى الله عليه وسلم أو قبل القرآن لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى

[ ص: 82 ] فاقتصر من هذا المعنى على معنى أن علة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة ، فدل على المعنى المحذوف .

والإهلاك : إعدام ذات الموجود وإماتة الحي ، قال تعالى : ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها ، وإحياؤها إعادة عمرانها بالسكان والبناء ، قال تعالى : أنى يحيي هذه - أي : القرية - الله بعد موتها وإهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكانها ؛ لأن الإهلاك تعلق بذات القرى ، فلا حاجة إلى التمجز في إطلاق القرى على أهل القرى كما في : واسأل القرية لصحة الحقيقة هنا ؛ ولأنه يمنع منه قوله : وأهلها غافلون ألا ترى إلى قوله تعالى : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا فجعل إهلاكها تدميرها ، وإلى قوله : ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها

والباء في ( بظلم ) للسببية ، والظلم : الشرك ؛ أي : مهلكهم بسبب شرك يقع فيها ، فيهلكها ويهلك أهلها الذين أوقعوه ، ولذلك لم يقل : بظلم أهلها ؛ لأنه أريد أن وجود الظلم فيها سبب هلاكها ، وهلاك أهلها بالأحرى ؛ لأنهم المقصود بالهلاك .

وجملة وأهلها غافلون حال من القرى وصرح هنا بـ ( أهلها ) تنبيها على أن هلاك القرى من جراء أفعال سكانها فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث