الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها

باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها

310 وحدثني زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا عكرمة بن عمار قال قال إسحق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك قال جاءت أم سليم وهي جدة إسحق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له وعائشة عنده يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه فقالت عائشة يا أم سليم فضحت النساء تربت يمينك فقال لعائشة بل أنت فتربت يمينك نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذاك

التالي السابق


( باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها )

فيه ( أن أم سليم - رضي الله عنها - قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عائشة - رضي الله عنها - : يا رسول [ ص: 548 ] الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام ، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه ؟ فقالت عائشة - رضي الله عنها - : يا أم سليم فضحت النساء ، تربت يمينك . قولها : ( تربت يمينك خير ) ، فقال لعائشة : " بل أنت فتربت يمينك ، نعم . فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك " وفي الباب المذكور الروايات الباقية ، وستمر عليها إن شاء الله تعالى .

اعلم أن المرأة إذا خرج منها المني وجب عليها الغسل ، كما يجب على الرجل بخروجه ، وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني أو إيلاج الذكر في الفرج ، وأجمعوا على وجوبه - عليها - بالحيض والنفاس ، واختلفوا في وجوبه على من ولدت ولم تر دما أصلا ، والأصح عند أصحابنا وجوب الغسل وكذا الخلاف فيما إذا ألقت مضغة أو علقة ، والأصح وجوب الغسل ، ومن لا يوجب الغسل يوجب الوضوء . والله أعلم .

ثم إن مذهبنا أنه يجب الغسل بخروج المني ، سواء كان بشهوة ودفق ، أم بنظر أم في النوم أو في اليقظة ، وسواء أحس بخروجه أم لا ، وسواء خرج من العاقل أم من المجنون ، ثم إن المراد بخروج المني أن يخرج إلى الظاهر ، أما ما لم يخرج فلا يجب الغسل ، وذلك بأن يرى النائم أنه يجامع ، وأنه قد أنزل ، ثم يستيقظ فلا يرى شيئا فلا غسل عليه بإجماع المسلمين ، وكذا لو اضطرب بدنه لمبادئ خروج المني فلم يخرج ، وكذا لو نزل المني إلى أصل الذكر ثم لم يخرج فلا غسل ، وكذا لو صار المني في وسط الذكر وهو في صلاة ، فأمسك بيده على ذكره فوق حائل فلم يخرج المني حتى سلم من صلاته ، صحت صلاته ، فإنه ما زال متطهرا حتى خرج ، والمرأة كالرجل في هذا ، إلا أنها إذا كانت ثيبا فنزل المني إلى فرجها ، ووصل الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء وهو الذي يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة - وجب عليها الغسل ، بوصول المني إلى ذلك الموضع ، لأنه في حكم الظاهر ، وإن كانت بكرا لم يلزمها ما لم يخرج من فرجها لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل . والله أعلم .

وأما ألفاظ الباب ومعانيه : ففيه أم سليم ، وهي أم أنس بن مالك ، واختلفوا في اسمها فقيل : اسمها سهلة . وقيل : مليكة . وقيل : رميثة . وقيل : أنيفة . ويقال : الرميصا والغميصا . وكانت من فاضلات الصحابيات ومشهوراتهن ، وهي أخت أم حرام بنت ملحان - رضي الله عنهما - والله أعلم .

وأما قول عائشة رضي الله عنها : ( فضحت النساء ) معناه : حكيت عنهن أمرا يستحيا من وصفهن به ويكتمنه ، وذلك أن نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال . وأما قولها : ( تربت يمينك ) ففيه خلاف كثير منتشر جدا للسلف والخلف من الطوائف كلها ، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون في معناه : أنها كلمة أصلها افتقرت ، ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي ، فيذكرون تربت يداك ، وقاتله الله ، ما أشجعه ، ولا أم له ، ولا أب لك ، وثكلته أمه ، وويل أمه ، وما أشبه هذا من ألفاظهم يقولونها عند إنكار الشيء ، أو الزجر عنه ، أو الذم عليه ، أو استعظامه ، أو الحث عليه ، أو الإعجاب به . والله أعلم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة : ( بل أنت فتربت يمينك ) فمعناه أنت أحق أن يقال [ ص: 549 ] لك هذا ، فإنها فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها ، فلم تستحق الإنكار ، واستحققت أنت الإنكار ، لإنكارك ما لا إنكار فيه . وأما قولها : ( تربت يمينك خير ) ، فكذا وقع في أكثر الأصول ، وهو تفسير ولم يقع هذا التفسير في كثير من الأصول ، وكذلك ذكر الاختلاف في إثباته ، وحذفه القاضي عياض ، ثم اختلف المثبتون في ضبطه فنقل صاحب المطالع وغيره عن الأكثرين أنه ( خير ) بإسكان الياء المثناة من تحت ضد الشر ، وعن بعضهم أنه ( خبر ) بفتح الباء الموحدة ، قال القاضي عياض : وهذا الثاني ليس بشيء .

قلت : كلاهما صحيح فالأول : معناه لم ترد بهذا شتما ، ولكنها كلمة تجري على اللسان . ومعنى الثاني : أن هذا ليس بدعاء ، بل هو خبر لا يراد حقيقته . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث