الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النكاح والصلح من الجناية والخلع والعتق

باب النكاح والصلح من الجناية والخلع والعتق والمكاتبة في المزارعة والمعاملة . [ قال - رحمه الله - : ] وإذا تزوج الرجل امرأة بمزارعة أرضه هذه السنة على أن يزرعها ببذرها وعملها فما خرج فهو بينهما نصفان - فالنكاح جائز والمزارعة فاسدة ; لاشتراط أحد العقدين [ ص: 145 ] في الأجر والمزارعة كالبيع تبطل بالشروط الفاسدة ، والنكاح لا يبطل . هكذا قال إبراهيم : النكاح يهدم الشرط ، والشرط يهدم البيع . وعلى قول أبي يوسف : التسمية صحيحة ، وصداقها أجر مثل نصف الأرض . وعلى قول محمد - رحمه الله - : التسمية فاسدة ، ولها مهر مثلها إلا أن يجاوز ذلك بأجر مثل جميع الأرض ، فحينئذ لها أجر مثل جميع الأرض ; لأن التزوج بذل منفعة الأرض بمقابلة نصف الخارج ، وبمقابلة نصفها فإن المشروط لها على الزوج ملك النكاح ونصف الخارج ; لأن البذر من قبلها ، فإنما تتوزع منفعة الأرض عليهما باعتبار القيمة - كما هو قضية المقابلة - ونصف الخارج مجهول أصلا وجنسا وقدرا ; فكان ما يقابل البضع من منفعة الأرض مجهولا أيضا جهالة التسمية .

ومثل هذه الجهالة تمنع صحة التسمية ; فيكون لها مهر مثلها ، كما لو تزوجها بثوب إلا أن يتيقن بوجود الرضا منها ، يكون صداقها منفعة جميع الأرض ; لأنها لما رضيت به بمقابلة سنين كانت بمقابلة أحدهما أرضى ; فلهذا لا يجاوز بالصداق أجر مثل جميع الأرض . وأبو يوسف يقول : الانقسام بين البضع ونصف الخارج باعتبار التسمية لا باعتبار القيمة ; فيتوزع نصفين - كما هو قضية المقاسمة بين المجهول والمعلوم - بمنزلة ما لو أوصى بثلث ماله لفلان وللمساكين ، كان لفلان نصف الثلث ، فهنا أيضا يكون الصداق منفعة نصف الأرض ، والمنفعة مال متقوم في حكم الصداق ، فتصح التسمية ، ويلزم تسليم منفعة نصف الأرض إليها ، وقد عجز عن ذلك لفساد المزارعة ; فيكون لها أجر مثل نصف الأرض . فإن طلقها قبل الدخول بها ، كان لها - في قول أبي يوسف - رحمه الله - نصف المسمى ، وهو ربع أجر مثل الأرض . وفي قول محمد - رحمه الله - : لها المنفعة لفساد التسمية .

وإن زرعت المرأة زرعا فأخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ، فجميع الخارج للمرأة ; لأنه نماء بذرها ، وعليها - في قياس قول أبي يوسف - نصف أجر مثل الأرض ، ولا صداق لها على الزوج ; لأنها استوفت منفعة جميع الأرض ، ونصف ذلك صداقها ، والنصف الآخر استوفته بحكم مزارعة فاسدة ; فعليها أجر مثل نصف الأرض . وعند محمد - رحمه الله - عليها أجر مثل جميع الأرض ; فيتقاصان ويترادان فضلا إن كان . وإن كان البذر من قبل الزوج فتزوجها على أن دفع أرضا وبذرا مزارعة بالنصف - والمسألة بحالها - فالنكاح صحيح والمزارعة فاسدة ، وللمرأة مهر مثلها بالغا ما بلغ عندهم جميعا ; لأن الزوج شرط لها نصف الخارج بمقابلة البضع وبمقابلة العمل ، والخارج مجهول الجنس والقدر ، ووجود أصله على خطر ; فلم يصح تسميته صداقا ، فكان لها مهر مثلها بالغا ما بلغ ، وهو الأصل في هذا الجنس ، أنه متى كان المشروط بمقابلة البضع بعض [ ص: 146 ] الخارج فالتسمية فاسدة عندهم جميعا ، ومتى كان المشروط منفعة الأرض أو منفعة العامل بمقابلة البضع ففي صحة التسمية اختلاف - كما بينا - حتى لو تزوجها على أن يأخذ أرضها ليزرعها ببذره وعمله بالنصف - فللمرأة مهر المثل بالاتفاق ; لأن الزوج شرط لها نصف الخارج بمقابلة بضعها ومنفعة الأرض .

ولو تزوجها على أن يأخذ أرضها وبذرا معها مزارعة بالنصف - فالمسألة على الاختلاف ; لأنها شرطت عمل الزوج بمقابلة بضعها ونصف الخارج ; فيكون الصداق نصف عمل الزوج في قول أبي يوسف كما بينا . ولو تزوجها على أن يدفع إليها نخلا معاملة بالنصف - فلها مهر مثلها ; لأن الزوج شرط لها نصف الخارج بمقابلة بضعها وعملها . ولو تزوجها على أن دفعت إليه نخلا معاملة بالنصف - فالمسألة على الخلاف ; لأن الزوج التزم العمل بمقابلة بضعها ونصف الخارج .

فهذه ست مسائل في النكاح ، وست أخرى في الخلع على هذه الصورة . فالمرأة في الخلع بمنزلة الزوج في النكاح ; لأن بذل الخلع عليها له ، ففي كل موضع ذكرنا في النكاح أنه يكون لها صداق مثلها ففي الخلع يجب عليها رد المقبوض ; لأن البضع لا يتقوم عند خروجه من ملك الزوج ، وإنما يقوم باعتبار رد المقبوض . وكذلك هذه المسائل الست في الصلح من جناية العهد ، إلا أن في كل موضع كان الواجب في النكاح صداق مثلها - ففي الصلح من دم العمد الواجب الدية ; لأن بذل النفس هو الدية عند فساد التسمية في الصلح بمنزلة مهر المثل في النكاح . وأما كل جناية ليس فيها قصاص أو جناية خطأ وقعت على الصلح عنها عقدة مزارعة أو معاملة على ما وصفنا - فإن العقد في جميع ذلك فاسد بالاتفاق ، وأرش الجناية واجب ; لأن هذا صلح عن مال على مال فيكون بمنزلة البيع يبطل بالشرط الفاسد كما تبطل المزارعة ، فاشتراط كل واحد من العقدين في الآخر يفسد كل واحد منهما . فأما العتق على شرط المزارعة في جميع هذه الوجوه - فعلى العبد فيه قيمة نفسه بالغا ما بلغت ; لأن المولى إنما يزيل عن ملكه في العتق مالا متقوما ، فعند فساد التسمية يكون رجوعه بقيمة العبد ، كما لو أعتق عبده على خمر .

ولا يدخل هنا الخلاف بين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - على قياس جعل العتق إذا كان شيئا بعينه فاستحق أو هلك قبل القبض ; لأن هناك التسمية كانت صحيحة وهنا التسمية فاسدة فيكون هذا نظير العتق على الخمر . وأما الكتابة على نحو ذلك فالكتابة فاسدة مع المزارعة والمعاملة ; لأن الكتابة لا تصح إلا بتسمية البدل ، وهو عقد محتمل للفسخ بمنزلة البيع ; فاشتراط كل واحد من العقدين في الآخر يفسدهما جميعا . فإن عملها المكاتب عتق إن خرج [ ص: 147 ] شيء أو لم يخرج إذا كان محله محل آخر بأن كان المولى صاحب النخل أو صاحب الأرض والبذر ; لأنه أوفى العمل المشروط عليه بمقابلة رقبته ، ومع فساد التسمية يترك العتق بإيفاء المشروط ، كما لو كاتبه على خمر فأدى الخمر . ثم للمكاتب على مولاه أجر مثله ، وللمولى عليه رقبته ، فإن كانت قيمة رقبته أكثر من أجر المثل فعليه أن يؤدي الفضل ، وإن كان أجر مثله أكثر من قيمة رقبته - لم يكن على مولاه شيء ; لأنه نال العتق بمقابلة ما أوفى من العمل فلا يتمكن استرداد شيء منه ، واسترداد بدله كاسترداده .

ثم في الكتابة الفاسدة المولى أحق بمنافعه فلا يتقوم عليه منافعه إلا بقدر ما يحتاج إليه المكاتب ، وذلك مقدار قيمة رقبته وإذا كان محل المكاتب محل المستأجر بأن كان البذر من قبل المكاتب لم يعتق وإن زرع الأرض وحصل الخارج ; لأن الجعل هنا بعض الخارج وهو مجهول اللون والجنس والقدر ، ومثل هذه الجهالة تمنع العتق وإن أدى ، كما لو كاتبه على ثوب ، ثم الخارج كله في يد العبد هنا إلى أن يرده المولى رقيقا ، وإذا رده المولى رقيقا كان الخارج للمولى باعتبار أنه كسب عبده لا باعتبار أنه مشروط في الكتابة ، فلهذا لا يعتق العبد به . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث