الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في المؤذن يستدير في أذانه

باب في المؤذن يستدير في أذانه

520 حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا قيس يعني ابن الربيع ح و حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان جميعا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو في قبة حمراء من أدم فخرج بلال فأذن فكنت أتتبع فمه هاهنا وهاهنا قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري وقال موسى قال رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر ثم دخل فأخرج العنزة وساق حديثه

التالي السابق


( قال ) أي أبو جحيفة وهو بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين والمد . قاله العيني ( وهو ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ( في قبة ) قال في المصباح المنير : القبة من البنيان معروف ، وتطلق على البيت المدور وهو معروف عند التركمان والجمع قباب ( من أدم ) بفتحتين [ ص: 165 ] جمع أديم أي جلد ( فكنت أتتبع فمه هاهنا وهاهنا ) فمه منصوب على المفعولية ، وهاهنا وهاهنا ظرفا مكان ، والمراد بهما جهتا اليمين والشمال ، ومعناه أنا أنظر إلى فم بلال متتبعا ، وفي رواية الترمذي : رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا الحديث قال الحافظ : والحاصل أن بلالا كان يتتبع بفيه الناحيتين وكان أبو جحيفة ينظر إليه فكل منهما متتبع باعتبار . انتهى . وفي رواية وكيع عن سفيان عند مسلم قال : فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة حي على الفلاح الحديث ، قلت : قوله : " كنت أتتبع فمه هاهنا وهاهنا " هو محل الترجمة ويؤخذ منه مطابقة الحديث بالباب ، وهو استدارة المؤذن في الأذان كما عرفت من قول الحافظ ( قال ) أبو جحيفة ( وعليه حلة ) هي بضم الحاء إزار ورداء . قال ابن الأثير : الحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة ، إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد ( حمراء ) قال الشوكاني رحمه الله ، وقد زعم ابن القيم أن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود وغلط من قال : إنها كانت حمراء بحتا قال وهي معروفة بهذا الاسم . انتهى . ولا يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان . والجواب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب ، فإن أراد أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك ، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها ، فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى ، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه . وفي فتح الباري أن في لبس الثوب الأحمر سبعة مذاهب : .

الأول : الجواز مطلقا ، جاء عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وطائفة من التابعين .

الثاني : المنع مطلقا ولم ينسبه الحافظ إلى قائل معين إنما ذكر أخبارا وآثارا يعرف بها من قال بذلك .

الثالث : يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفا ، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد .

[ ص: 166 ] الرابع : يكره لبس الأحمر مطلقا لقصد الزينة والشهرة ويجوز في البيوت والمهنة ، جاء ذلك عن ابن عباس .

الخامس : يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج ويمنع ما صبغ بعد النسج ، جنح إلى ذلك الخطابي .

السادس : اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر ولم ينسبه إلى أحد .

السابع : تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله وأما ما فيه لون آخر غير أحمر فلا . انتهى مختصرا .

( يمانية قطري ) بكسر قاف وسكون طاء نسبة إلى قرية قطر بفتحتين من قرى البحرين ، والكسر والتخفيف للنسبة فلعل تقدير الكلام كثوب قطري وإلا فكيف يكون يمانيا وقطريا وبه يتضح وجه التذكير والله تعالى أعلم . قاله في فتح الودود . قال العيني : قوله وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري فقوله برود جمع برد مرفوع لأنه صفة للحلة ، وقوله يمانية صفة للبرود أي منسوبة إلى اليمن وقوله قطري بكسر القاف وسكون الطاء ، والأصل قطري بفتح القاف والطاء لأنه نسبة إلى قطر بلد بين عمان وسيف البحر ، ففي النسبة خففوها وكسروا القاف وسكنوا الطاء ، ويقال القطري ضرب من البرود فيها حمرة ويقال ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة وإنما لم يقل : قطرية مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط لأنه بكثرة الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل ، ووصف الحلة بثلاث صفات الأولى صفة الذات وهي قوله حمراء ، والثانية صفة الجنس وهي قوله برود بين به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية والثالثة صفة النوع وهي قوله قطري لأن البرود اليمانية أنواع نوع منها قطري بينه بقوله قطري انتهى . وقال ابن الأثير في النهاية قال الأزهري في أعراس البحرين : قرية يقال لها قطر وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها فكسروا القاف للنسبة وخففوا .

( وقال موسى ) بن إسماعيل شيخ المؤلف ( قال ) أي أبو جحيفة ( إلى الأبطح ) قال الحافظ في الفتح : هو موضع معروف خارج مكة انتهى . وقال في المرقاة : الأبطح بفتح همزة محل أعلى من المعلى إلى جهة منى وهو في اللغة مسيل واسع فيه دقاق الحصا والبطيحة والبطحاء مثله صار علما للمسيل الذي ينتهي إليه السيل من وادي منى وهو [ ص: 167 ] الموضع الذي يسمى محصبا أيضا ( لوى عنقه يمينا وشمالا ) أي عطف بلال عنقه . قال الحافظ في الفتح : وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان وأن محله عند الحيعلتين ، وبوب عليه ابن خزيمة انحراف المؤذن عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه لا ببدنه كله . قال : وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه ( ولم يستدر ) بلال في الأذان . فيه تصريح بعدم الاستدارة في الأذان وقد اختلفت الروايات في الاستدارة ففي بعضها أنه كان يستدير وفي بعضها ولم يستدر لكن تروى الاستدارة من طريق حجاج وإدريس الأودي ومحمد العرزمي عن عون ، وهم ضعفاء وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع ، فرواه عن عون فقال في حديثه ولم يستدر كما ساقه المؤلف ، ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس ومن نفاه عنى استدارة الجسد كله قاله الحافظ في الفتح ( ثم دخل ) بلال في منزله ( فأخرج العنزة ) قال الحافظ في الفتح العنزة بفتح النون عصا أقصر من الرمح لها سنان ، وقيل هي الحربة القصيرة ووقع في رواية كريمة العنزة عصا عليها زج بزاء مضمومة ثم جيم مشددة أي سنان ، وفي الطبقات لابن سعد أن النجاشي كان أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم ( وساق ) أي موسى بن إسماعيل ( حديثه ) أي باقي حديثه وهو من قوله ثم خرج رسول الله الحديث . وأورد المؤلف هذا الحديث بإسنادين الأول من طريق موسى بن إسماعيل ، والثاني من طريق محمد بن سليمان الأنباري فساق أولا لفظ محمد بن سليمان ثم أتبعه بلفظ مسدد ، وأما وضع الإصبعين في الأذنين فقد رواه أبو عوانة من طريق مؤمل عن سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه وله شواهد من أصحها ما رواه أبو داود وابن حبان من طريق أبي سلام الدمشقي أن عبد الله الهوزني حدثه قال : قلت لبلال كيف كانت نفقة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه قال بلال فجعلت إصبعي في أذني فأذنت وأخرج الترمذي من طريق أبي جحيفة في أذان بلال " وإصبعاه في أذنيه " ولابن ماجه والحاكم من حديث سعد القرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه " وفي إسناده ضعف . قال العلماء : في ذلك فائدتان ؛ إحداهما أنه قد يكون أرفع لصوته وفيه حديث ضعيف أخرجه أبو الشيخ . ثانيهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن . قال الترمذي : استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان . قال واستحب الأوزاعي في الإقامة أيضا . انتهى . ولم يرد تعيين الأصبع التي يستحب وضعها وجزم النووي أنها المسبحة . انتهى كلام الحافظ [ ص: 168 ] ملخصا . قال المنذري : والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

باب في الدعاء بين الأذان والإقامة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث