الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما ورد في ذلك وفي فضله من الأحاديث النبوية

[ ص: 5 ] ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه وما ورد في ذلك وفي فضله من الأحاديث النبوية ، وما في ذلك من دلائل النبوة وآيات المعجزة

كان أمير المؤمنين ، رضي الله عنه ، قد انتقضت عليه الأمور ، واضطربت عليه الأحوال ، وخالفه جيشه من أهل العراق وغيرهم ، ونكلوا عن القيام معه ، واستفحل أمر أهل الشام وصالوا وجالوا يمينا وشمالا زاعمين أن الأمر لمعاوية ; بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد ، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير ، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق ووهنوا ، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان ، فهو أعبدهم وأزهدهم ، وأعلمهم وأخشاهم لله ، عز وجل ، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا [ ص: 6 ] عنه ، وقد كان يعطيهم العطاء الكثير والمال الجزيل ، فلا زال هذا دأبهم معه حتى كره الحياة وتمنى الموت ; وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن ، فكان يكثر أن يقول : ماذا يحبس أشقاها - أي ما ينتظر - ما له لا يقتل ؟ ثم يقول : والله لتخضبن هذه - ويشير إلى لحيته - من هذه . ويشير إلى هامته . كما قال : البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، ثنا أبو الجواب الأحوص بن جواب ، ثنا عمار بن رزيق ، عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ثعلبة بن يزيد قال : قال علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه - للحيته من رأسه - فما يحبس أشقاها ؟ فقال عبد الله بن سبع : والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأبرنا عترته . فقال : أنشدكم بالله أن يقتل بي غير قاتلي . فقالوا : يا أمير المؤمنين ، ألا تستخلف ؟ فقال : لا ولكني أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملا ؟ قال : أقول : اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني وتركتك فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم . فيه ضعف في بعض ألفاظه . [ ص: 7 ]

طريق أخرى قال أبو داود الطيالسي في " مسنده " : ثنا شريك ، عن عثمان بن المغيرة ، عن زيد بن وهب قال : جاء رأس الخوارج إلى علي فقال له : اتق الله فإنك ميت . فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود ، وقضاء مقضي وقد خاب من افترى .

طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو يعلى : ثنا سويد بن سعيد ، ثنا رشدين بن سعد ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ، عن عثمان بن صهيب ، عن أبيه قال : قال علي قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أشقى الأولين " ؟ قلت : عاقر الناقة . قال : " صدقت ، فمن أشقى الآخرين ؟ " قلت : لا علم لي يا رسول الله . قال : " الذي يضربك على هذه " . وأشار بيده على يافوخه . قال : فكان يقول : وددت أنه قد انبعث أشقاكم فيخضب هذه من هذه . يعني لحيته من دم رأسه .

طريق أخرى عن علي ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد ، عن عبد الله بن سبع قال : [ ص: 8 ] سمعت عليا يقول : لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بي الأشقى ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا به نبير عترته . قال : إذا تالله تقتلون بي غير قاتلي ! قالوا : فاستخلف علينا . قال : لا ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : فما تقول لربك إذا أتيته ؟ قال : أقول : اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، ثنا أبو بكر ، عن الأعمش عن سلمة بن كهيل ، عن عبد الله بن سبع قال : خطبنا علي فقال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه . قال : فقال الناس : فأعلمنا من هو ، والله لنبيدنه أو لنبيدن عترته . قال : أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلي . قالوا : إن كنت قد علمت ذلك فاستخلف إذا . قال : لا ، ولكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفرد به أحمد .

طريق أخرى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، ثنا محمد - يعني ابن راشد - عن عبد الله [ ص: 9 ] بن محمد بن عقيل ، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري - وكان أبو فضالة من أهل بدر - قال : خرجت مع أبي عائدا لعلي بن أبي طالب من مرض أصابه ثقل منه . قال : فقال له أبي : ما يقيمك بمنزلك هذا ؟ لو أصابك أجلك لم يلك إلا أعراب جهينة ، تحمل إلى المدينة ، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك . فقال علي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي ألا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه . يعني هامته ، قال : فقتل وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين . تفرد به أحمد أيضا . وقد رواه البيهقي في " الدلائل " عن الحاكم ، عن الأصم ، عن الحسن بن مكرم ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به .

طريق أخرى عنه : قال : الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : حدثنا أحمد بن أبان القرشي ، ثنا سفيان بن عيينة ، ثنا كوفي يقال له : عبد الملك بن أعين . عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبيه قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : قال لي عبد الله بن سلام وقد وضعت رجلي في غرز الركاب : لا تأت العراق ; فإنك إن أتيتها أصابك بها ذباب السيف . قال : وايم الله لقد قالها ، ولقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم لي قبله . قال أبو الأسود : فقلت : تالله ما رأيت رجلا محاربا يحدث بهذا غيرك . ثم قال البزار : لا نعلم رواه إلا علي بن أبي طالب بهذا [ ص: 10 ] الإسناد ، ولا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين ، عن أبي حرب ، ولا رواه عنه إلا ابن عيينة . هكذا قال ، وقد رأيت من الطرق المتعددة خلاف ذلك . وقال البيهقي بعد ذكره طرفا من هذه الطرق : وقد روينا في كتاب " السنن " بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم ، عن أبي سنان الدؤلي ، عن علي في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتله .

حديث آخر في ذلك قال الخطيب البغدادي أخبرني علي بن القاسم البصري ، ثنا علي بن إسحاق المادرائي ، أنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا إسماعيل بن أبان الوراق ، ثنا ناصح ، أبو عبد الله المحلمي ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " من أشقى الأولين ؟ " قال : عاقر الناقة . قال : " فمن أشقى الآخرين ؟ " قال : الله ورسوله أعلم . قال : " قاتلك " .

حديث آخر في معنى ذلك : روى البيهقي من طريق فطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه ، كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ثعلبة الحماني قال : سمعت عليا على المنبر وهو يقول : والله إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي " إن الأمة ستغدر بك بعدي " . قال البخاري : ثعلبة بن يزيد الحماني في [ ص: 11 ] حديثه نظر .

قال البيهقي : وقد رويناه بإسناد آخر عن علي إن كان محفوظا ; أخبرنا أبو علي الروذباري ، أنا أبو محمد بن شوذب الواسطي بها ، ثنا شعيب بن أيوب ، ثنا عمرو بن عون ، عن هشيم ، عن إسماعيل بن سالم عن أبي إدريس الأزدي ، عن علي قال : إن مما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الأمة ستغدر بك بعدي " . قال البيهقي : فإن صح فيحتمل أن يكون المراد به ، والله أعلم ، في خروج من خرج عليه في إمارته ثم في قتله .

وقال الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن زهير بن الأقمر قال : خطبنا علي يوم جمعة فقال : نبئت أن بسرا قد طلع اليمن ، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم ، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم ، وخيانتكم وأمانتهم ، وإفسادكم [ ص: 12 ] في أرضكم وإصلاحهم في أرضهم ، قد بعثت فلانا فخان وغدر ، وبعثت فلانا فخان وغدر وبعث المال إلى معاوية ، لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته ، اللهم سئمتهم وسئموني وكرهتهم وكرهوني ، اللهم فأرحهم مني وأرحني منهم . قال : فما صلى الجمعة الأخرى حتى قتل ، رضي الله عنه وأرضاه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث