الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : وما أوجب الاستنجاء على ضربين : نادر ، ومعتاد ، فالمعتاد كالغائط والبول فهو مخير في الاستنجاء منه بين الأحجار والماء ، والنادر كالمذي والودي ودم الناصور ، والقيح . ففي جواز استعمال الأحجار فيه قولان :

أحدهما : يجوز قياسا على المعتاد .

والثاني : لا يجوز فيه إلا الماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنضح الماء على المذي ، ولأنه نادر مما لا يتكرر غالبا في محله فأشبه نجاسة البدن ، فأما دم الحيض فمعتاد ودم الاستحاضة فنادر .

فصل : فإذا ثبت أنه مخير بين الأحجار والماء فإن استعمل الماء وحده أجزأه ، روى عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا فقضى حاجته وخرج علينا [ ص: 161 ] وقد استنجى بالماء ، وإن استعمل الأحجار وحدها واقتصر عليها أجزأه ، وقال أبو حنيفة : إن كان كقدر الدرهم لم يلزمه استعمال الأحجار ، وإن كان أكثر من الدرهم لزمه استعمال الماء ولم يجزه الأحجار فلم يجعل في الاستنجاء موضعا يلزم استعمال الأحجار فيه ، وفيما مضى دليل عليه كاف ، وحكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كره ذلك ومنع منه إلا في حال ضرورة وقال : قد كان القوم يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا فأتبعوا الحجارة الماء ولعله رضي الله عنه منع من استعماله فيما انتشر عن السبيلين .

وإذا كان الأمر على ما ذكرنا فلا فرق في استعمال الأحجار بين الحضر والسفر مع وجود الماء وعدمه ، والعدد معتبر في استعمالها وهو ثلاث لا يجزئه أقل منها .

وقال مالك وداود : العدد غير معتبر وإنما الإنقاء هو المعتبر فإذا أنقى بحجر واحد أجزأه استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : " من استجمر فليوتر . واسم الوتر يقع على المرة ولأنه لم يكن العدد معتبرا في الماء الذي هو أصل فأولى ألا يكون معتبرا في الأحجار التي هي فرع ، ولأنه قد وجد الإنقاء فوجب أن يجزئه كالثلاث .

ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : " وليستنج بثلاثة أحجار " ، وهذا أمر ، وحديث سلمان : لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار ، وروى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا استنجى أحدكم فليستجمر ثلاثا ، وحديث خزيمة بن ثابت قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء فقال : بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا استجمر أحدكم فليوتر ثلاثا " وروى أبو رزين الباهلي ، عن مالك بن يخامر الباهلي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الاستجمار تو فإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو " والتو : الوتر يريد به ثلاثا .

ولأنها نجاسة شرع إزالتها بعدد فوجب أن يستحق منها ذلك العدد كالولوغ .

فأما الجواب عن قوله : " من استجمر فليوتر " فهو أن عمومه مخصوص بقوله : وليستنج بثلاثة أحجار .

[ ص: 162 ] وأما الجواب عن استدلالهم استدلاله بالماء فهو أنه ليس بأصل للأحجار على أن الماء لما اعتبرت فيه إزالة الأثر لم يفتقر إلى العدد ، والأحجار لما لم يعتبر فيها إزالة الأثر افتقرت إلى العدد .

وأما استدلالهم بالإنقاء فمع الإنقاء تعبد يعتبر فيه العدد كالولوغ وعدد الإقراء .

فصل : فأما قول الشافعي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم ، ففي الرجيع لأصحابنا تأويلان .

أحدهما : أنه النجو الذي قد رجع عن الطعام فصار نجسا فعلى هذا يكون استثناء من مضمر دل عليه مظهر وتقديره وليستنج بثلاثة أحجار وما قام مقامها ليس فيها رجيع ولا عظم .

والثاني : أن الرجيع هو الحجر الذي قد استعمل مرة فصار راجعا عن الموضع النجس فعلى هذا يكون تقدير الكلام يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث