الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات

وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه

[ ص: 117 ] الواو في : وهو الذي أنشأ للعطف ، فيكون عطف هذه الجملة على جملة وحرموا ما رزقهم الله تذكيرا بمنة الله تعالى على الناس بما أنشأ لهم في الأرض مما ينفعهم ، فبعد أن بين سوء تصرف المشركين فيما من به على الناس كلهم مع تسفيه آرائهم في تحريم بعضها على أنفسهم ، عطف عليه المنة بذلك استنزالا بهم إلى إدراك الحق والرجوع عن الغي ، ولذلك أعيد في هذه الآية غالب ما ذكر في نظيرتها المتقدمة في قوله : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه لأن المقصود من الآية الأولى الاستدلال على أنه الصانع ، وأنه المنفرد بالخلق ، فكيف يشركون به غيره ، ولذلك ذيلها بقوله : إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون وعطف عليها قوله : وجعلوا لله شركاء الجن الآيات .

والمقصود من هذه الامتنان وإبطال ما ينافي الامتنان ولذلك ذيلت هذه بقوله : كلوا من ثمره إذا أثمر .

والكلام موجه إلى المؤمنين والمشركين ؛ لأنه اعتبار وامتنان ، وللمؤمنين الحظ العظيم من ذلك ، ولذلك أعقب بالأمر بأداء حق الله في ذلك بقوله : وآتوا حقه يوم حصاده إذ لا يصلح ذلك الخطاب للمشركين .

وتعريف المسند يفيد الاختصاص ؛ أي : هو الذي أنشأ لا غيره ، والمقصود من هذا الحصر إبطال أن يكون لغيره حظ فيها ، لإبطال ما جعلوه من الحرث والأنعام من نصيب أصنامهم مع أن الله أنشأه .

والإنشاء : الإيجاد والخلق ، قال تعالى : إنا أنشأناهن إنشاء أي : نساء الجنة .

[ ص: 118 ] والجنات هي المكان من الأرض النابت فيه شجر كثير بحيث يجن أي : يستر الكائن فيه ، وقد تقدم عند قوله : كمثل جنة بربوة في سورة البقرة ، وإنشاؤها إنباتها وتيسير ذلك بإعطائها ما يعينها على النماء ، ودفع ما يفسدها أو يقطع نبتها ، كقوله : أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون .

والمعروشات : المرفوعات ، يقال : عرش الكرمة إذا رفعها على أعمدة ليكون نماؤها في ارتفاع لا على وجه الأرض ، لأن ذلك أجود لعنبها إذ لم يكن ملقى على وجه الأرض ، وعرش فعل مشتق من العرش وهو السقف ، ويقال للأعمدة التي ترفع فوقها أغصان الشجر فتصير كالسقف يستظل تحته الجالس : العريش . ومنه ما يذكر في السيرة : العريش الذي جعل للنبيء صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وهو الذي بني على بقعته مسجد بعد ذلك هو اليوم موجود ببدر .

ووصف الجنات بمعروشات مجاز عقلي ، وإنما هي معروش فيها ، والمعروش أشجارها ، وغير المعروشات المبقاة كرومها منبسطة على وجه الأرض وأرفع بقليل ، ومن محاسنها أنها تزين وجه الأرض فيرى الرائي جميعها أخضر .

وقوله : معروشات وغير معروشات صفة لـ ( جنات ) قصد منها تحسين الموصوف والتذكير بنعمة الله أن ألهم الإنسان إلى جعلها على صفتين ، فإن ذكر محاسن ما أنشأه الله يزيد في المنة ، كقوله في شأن الأنعام ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون .

و مختلفا أكله حال من الزرع ، وهو أقرب المذكورات إلى اسم الحال ، ويعلم أن النخل والجنات كذلك ، والمقصود التذكير بعجيب خلق الله ، فيفيد ذكر الحال مع أحد الأنواع تذكر مثله في النوع الآخر ، وهذا كقوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها أي : وإليه ، [ ص: 119 ] وهي حال مقدرة على ظاهر قول النحويين ؛ لأنها مستقلة عن الإنشاء ، وعندي أن عامل الحال إذا كان مما يحصل معناه في أزمنة ، وكانت الحال مقارنة لبعض أزمنة عاملها ، فهي جديرة بأن تكون مقارنة ، كما هنا .

والأكل بضم الهمزة وسكون الكاف لنافع وابن كثير ، وبضمهما قرأه الباقون ، هو الشيء الذي يؤكل ؛ أي : مختلفا ما يؤكل منه .

وعطف والزيتون والرمان على : جنات والنخل والزرع . والمراد شجر الزيتون وشجر الرمان . وتقدم القول في نظيره عند قوله تعالى : وهو الذي أنزل من السماء ماء الآية في هذه السورة .

إلا أنه قال هناك : ( مشتبها ) وقال هنا : ( متشابها ) وهما بمعنى واحد ؛ لأن التشابه حاصل من جانبين ، فليست صيغة التفاعل للمبالغة ، ألا ترى أنهما استويا في قوله : وغير متشابه في الآيتين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث