الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 1 ) باب الخاتم

الفصل الأول

4383 - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : " اتخذ النبي خاتما من ذهب " وفي رواية : وجعله في يده اليمنى ، ثم ألقاه ، ثم اتخذ خاتما من ورق نقش فيه : " محمد رسول الله " وقال : " لا ينقشن أحد على نقش خاتمي هذا " وكان إذا لبسه جعل فصه مما يلي بطن كفه . متفق عليه .

التالي السابق


( 1 ) باب الخاتم

بفتح التاء بمعنى الطابع وهو ما يختم به وبكسرها اسم فاعل ، وإسناد الختم إليه مجاز ، وسيأتي سبب اتخاذه - صلى الله عليه وسلم - وقد روي في الشمائل عن أنس أيضا أنه قال : لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب إلى العجم قيل له : إن العجم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتما ، فاصطنع خاتما كأني أنظر إلى بياضه في كفه - صلى الله عليه وسلم - .

الفصل الأول

4383 - ( عن ابن عمر ، قال : اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتما ) : أي أمر بصياغته أو وجد مصوغا فاتخذه ولبسه ( من ذهب ) : أي ابتداء قبل تحريم الذهب على الرجال ، قال الإمام محمد في موطئه : لا ينبغي للرجل أن يتختم بذهب ولا حديد ولا صفر ولا يتختم إلا بالفضة ، وأما النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن ، وقال النووي : أجمعوا على إباحة خاتم الذهب للنساء ، وعلى تحريمه على الرجال . ( وفي رواية ) : أي وزاد في رواية ( وجعله في يده اليمنى ، ثم ألقاه ) : أي طرحه بعدما أوحي إليه بتحريمه . قال في شرح السنة : هذا الحديث يشتمل على أمرين تبدل الأمر فيهما من بعد ، أحدهما لبس خاتم الذهب ، وصار الحكم فيه أي التحريم في حق الرجال ، وثانيهما لبس الخاتم في اليمين ، وكان آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - لبسه في اليسار . قال السيوطي رحمه الله ، في حاشية البخاري : وردت أحاديث بلبس الخاتم في اليمين ، وأحاديث بلبسه في اليسار والعمل عليه ، والأول منسوخ قاله البيهقي وأخرج ابن عدي وغيره من حديث ابن عمر ، أنه - صلى الله عليه وسلم - تختم في يمينه ، ثم حركه في يساره . ( ثم اتخذ خاتما من ورق ) : بكسر الراء وتسكن ( نقش فيه ) : بصيغة المجهول فنائب الفاعل ( محمد رسول الله ) : بجملته . وفي نسخة بصيغة الفاعل . بمعنى أمر بالنقش فيه ، فالجملة مفعوله في محل النصب أو الرفع على حكاية ما كان منقوشا فيه ( وقال : لا ينقشن ) : بضم القاف وهو نهي مؤكد أي لا يفعلن خاتمه ( أحد على نقش خاتمي هذا ) : قال الطيبي : يجوز أن يكون الجار حالا من الفاعل ; لأنه نكرة في سياق النفي أي صفة مصدر محذوف أي ناقشا على نقش خاتمي ، ومماثلا له ، أو نقشا على نقش خاتمي هذا . قال النووي : وسبب النهي أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما نقش على خاتمه هذا القول ; ليختم به كتبه إلى الملوك ، فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة وحصل الخلل اهـ . وإنما نهاهم عنه لأنه علم أمما سيتابعونه في هذا كما هي عادتهم في كمال المتابعة ، فأجازهم باتخاذ الخاتم على ما هو المفهوم من ضمن النهي ، ونهاهم عن مجرد النقش الخاص لما يفوته من الحكمة والمصلحة العامة ، ( وكان إذا لبسه ) : فيه إشعار لأنه ما كان يلبسه على وجه الدوام ، فلا ينافيه ما ورد في الشمائل عنه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من فضة ، وكان يختم به ، ولا يلبسه . قال ميرك : ووجه الجمع بينه وبين الروايات الدالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس الخاتم ، هو [ ص: 2797 ] أن جملة " ولا يلبسه " حال ، فيفيد أنه كان يختم به في حال عدم اللبس ، وهو لا يدل على أنه لا يلبسه مطلقا ، ولعل السر فيه إظهار التواضع وترك الإراءة والكبر ; لأن الختم في حال اللبس لا يخلو عن تكبر وخيلاء ، ويجوز أن يجعل قوله : ( ولا يلبسه ) معطوفا على قوله ( يختم به ) ، والمراد به لا يلبسه على سبيل الاستمرار والدوام ، بل في بعض الأوقات ضرورة الاحتياج إليه للختم به ، كما هو مصرح في بعض الأحاديث . وأغرب ابن حجر حيث قال : ولبسه حال الختم بعيد لا يحتاج لنفيه ، وقال الحنفي : يجوز أن يتعدد خاتمه - عليه الصلاة والسلام - كما يكون للسلاطين والحكام ، وكان يلبس منها بعضا دون بعض ، وتعقبه العصام بأنه بعيد جدا ; لأنه إنما يتخذ للحاجة ، فيبعد أن يتخذه - صلى الله عليه وسلم - متعددا اهـ . وسيأتي ما يدل على تحقق التعدد ، والله أعلم . وكرهت طائفة لبس الخاتم مطلقا وهو شاذ . نعم ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - لما اتخذ خاتما من ورق واتخذوا مثله طرحه ، فطرحوا خواتيمهم ، وهو يدل على عدم ندب الخاتم لمن ليس له حاجة إلى الختم ، وأجاب عنه البغوي بأنه إنما طرحه خوفا عليهم من التكبر والخيلاء ، وأجاب بعضهم عنه بأنه وهم من الزهري راويه ، وأن ما لبسه يوما ، ثم ألقاه خاتم ذهب ، كما ثبت ذلك من غير وجه عن ابن عمر وأنس ، أو خاتم حديد ، فقد روى أبو داود بسند جيد أنه كان له خاتم حديد ملوي عليه فضة ، فلعله هو الذي طرحه ، وكان يختم به ولا يلبسه ، وقالت طائفة : يكره إذا قصد به الزينة ، وآخرون يكره لغير ذي سلطان للنهي عنه بغيره ، رواه أبو داود والنسائي ، لكن نقل عن أحد أنه ضعفه والله أعلم . والحاصل أنه كان إذا لبسه ( جعل فصه ) : بتثليث فائه والفتح أفصح وتشديد صاده ما ينقش فيه اسم صاحبه أو غيره ، في القاموس الفص للخاتم مثلثة ، والكسر غير لحن ، ووهم الجوهري وقال العسقلاني : هو بفتح الفاء والعامة تكسرها ، وأثبتها بضمهم لغة ، وزاد بعضهم الضم ، وعليه جرى ابن الملك في المثلث . ( مما يلي ) : أي يقرب ( بطن كفه ) . قال النووي : لأنه أبعد من الزهو والإعجاب ، ولما لم يأمر بذلك جاز جعل فصفه في ظاهر الكف ، وقد عمل السلف بالوجهين . قلت : لعل وجه بعض السلف في المخالفة عدم بلوغهم الحديث المقتضي للمتابعة ، قال القاضيخان : التختم بالفضة إنما يباح لمن يحتاج إلى الختم . قال القاضي : وعند عدم الحاجة فالترك أفضل ، وإذا تختم بالفضة فينبغي أن يكون الفص إلى باطن الكف من اليسرى . قال النووي : ولو اتخذ الرجل خواتم كثيرة ليلبس الواحد منها بعد الواحد جاز على المذهب ، وقيل : فيه وجهان : الإباحة وعدمها . ( متفق عليه ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث