الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

قلت: هذا الثاني صحيح، فإن الآتي ببعض المعينات قد أتى بما أمر به، لكن الجمهور الذين يقولون: لا يصح بيعه بالغبن الفاحش، يقولون لم يدخل هذا البيع المعين في المسمى المطلق في عرف الناس، كما لم يدخل البيع بثمن مؤجل، وثمن محرم، ونحو ذلك.

وأما قوله: إنه لم يؤمر بكلي، وإنه لا معنى لاشتراك الجزئيات في المعنى الكلي، إلا مطابقة حد الكلي لحد جزئياته، فهذا إسراف في النفي، فإن الجزئيات تطابق حد بعضها بعضا وليس بعضها عاما مشتركا لسائرها.

وقوله: "إيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه" [ ص: 124 ] صحيح، إذا أريد به أن يجعل ذلك المعنى الذي في نفسه كليا هو نفسه موجودا في الخارج، وهذا غير مراد، فإن ما في النفس صفة قائمة بها لا يكون في الخارج، وإنما المراد أن يوجد في الخارج ما يطابقه، بحيث يكون ذلك المعنى الكلي الذهني متناولا له، كما يقال: فعلت ما في نفسي، كما قال تعالى: إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها [سورة يوسف: 68] فالحاجة التي في نفسه إنما في نفسه تصورها وقصدها، وقضاؤها له فعل ذلك المراد المتصور، وهو أمره لهم بما أمرهم به من الدخول من أبواب متفرقة، ومثل هذا كثير في كلام سائر الناس.

ومنه قول عمر بن الخطاب: زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها.

ويقال: كان في نفسي أن أحج، وقد فعلت ما كان في نفسي.

والمقصود هنا أن الآمدي هنا معترف بأن المعنى الكلي لا تصور لوجوده في الأعيان، وإلا كان موجودا في جزئياته.

قال: "يلزم من ذلك انحصار ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح له، وهو محال" - وهو، كما قال، فإنه إذا قال: إن المطلق جزء من المعين، والكلي موجود في الجزئي، فقد جعل الكلي بعض الجزئي، وبعض الشيء ينحصر فيه. ثم إنهم يقولون: هو جزء من هذا [ ص: 125 ] المعين، وهذا المعين، وسائر الجزئيات، فيلزم انحصاره في كل جزئي من جزئياته، وانحصاره في واحد يمنع وجوده في غيره، كما يمتنع وجود الجزئي في جزئي آخر، فكيف يكون منحصرا في جزئي مع انحصاره في جزئي آخر، فإن هذا جمع بين النقيضين مرات متعددة، بل لا ينحصر كثرة.

فلو كان الآمدي ذكر هذا في هذا الموضع، لعلم بطلان هذه الحجة التي حررها لأتباع ابن سينا في كتابيه الكبيرين، ولم يبن علتها، ولعرف حلها ولم يقتصر على معارضتها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث