الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر

وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون

جملة وعلى الذين هادوا حرمنا عطف على جملة ( قل ) عطف خبر على إنشاء ؛ أي : بين لهم ما حرم في الإسلام ، واذكر لهم ما حرمنا على الذين هادوا قبل الإسلام ، والمناسبة أن الله لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين ما حرم الله أكله من الحيوان ، وكان في خلال ذلك تنبيه على أن ما حرمه الله خبيث بعضه لا يصلح أكله بالأجساد الذي قال فيه : ( فإنه رجس ومنه [ ص: 142 ] ما لا يلاقي واجب شكر الخالق وهو الذي قال فيه : أو فسقا أهل لغير الله به أعقب ذلك بذكر ما حرمه على بني إسرائيل تحريما خاصا لحكمة خاصة بأحوالهم ومؤقتة إلى مجيء الشريعة الخاتمة ، والمقصود من ذكر هذا الأخير أن يظهر للمشركين أن ما حرموه ليس من تشريع الله في الحال ولا فيما مضى ، فهو ضلال بحت .

وتقديم المجرور على متعلقه في قوله : وعلى الذين هادوا حرمنا لإفادة الاختصاص ؛ أي : عليهم لا على غيرهم من الأمم .

والظفر : العظم الذي تحت الجلد في منتهى أصابع الإنسان والحيوان والمخالب ، وهو يقابل الحافر والظلف ويكون للإبل والسبع والكلب والهر والأرنب والوبر ونحوها ، فهذه محرمة على اليهود بنص شريعة موسى عليه السلام ففي الإصحاح الرابع عشر من سفر التثنية : الجمل والأرنب والوبر فلا تأكلوها .

والشحوم : جمع شحم ، وهو المادة الدهنية التي تكون مع اللحم في جسد الحيوان ، وقد أباح الله لليهود أكل لحوم البقر والغنم وحرم عليهم شحومها إلا ما كان في الظهر .

و ( الحوايا ) معطوف على ( ظهورهما فالمقصود العطف على المباح لا على المحرم ؛ أي : أو ما حملت الحوايا ، وهي جمع حوية ، وهي الأكياس الشحمية التي تحوي الأمعاء .

أو ( ما اختلط بعظم ) هو الشحم الذي يكون ملتفا على عظم الحيوان من السمن فهو معفو عنه لعسر تجريده عن عظمه .

والظاهر أن هذه الشحوم كانت محرمة عليهم بشريعة موسى عليه السلام ، فهي المحرمات التي أجملتها آية سورة النساء [ ص: 143 ] بقوله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم كما أشرنا إليه هنالك ؛ لأن الجرائم التي عدت عليهم هنالك كلها مما أحدثوه بعد موسى عليه السلام فقوله تعالى : ذلك جزيناهم ببغيهم يراد منه البغي الذي أحدثوه زمن موسى عليه السلام ، في مدة التيه ، مما أخبر الله به عنهم : مثل قولهم : لن نصبر على طعام واحد ، وقولهم : فاذهب أنت وربك فقاتلا وعبادتهم العجل ، وقد عد عليهم كثير من ذلك في سورة البقرة .

ومناسبة تحريم هذه المحرمات للكون جزاء لبغيهم ؛ أن بغيهم نشأ عن صلابة نفوسهم وتغلب القوة الحيوانية فيهم على القوة الملكية ، فلعل الله حرم عليهم هذه الأمور تخفيفا من صلابتهم ، وفي ذلك إظهار منته على المسلمين بإباحة جميع الحيوان لهم إلا ما حرمه القرآن وحرمته السنة مما لم يختلف العلماء وما اختلفوا فيه .

ولم يذكر الله تحريم لحم الخنزير ، مع أنه مما شمله نص التوراة ؛ لأنه إنما ذكر هنا ما خصوا بتحريمه مما لم يحرم في الإسلام ؛ أي : ما كان تحريمه مؤقتا .

وتقديم المجرور على عامله في قوله : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم للاهتمام ببيان ذلك ؛ لأنه مما يلتفت الذهن إليه عند سماع تحريم كل ذي ظفر فيترقب الحكم بالنسبة إليهما فتقديم المجرور بمنزلة الافتتاح بـ ( أما .

وجملة ذلك جزيناهم ببغيهم تذييل يبين علة تحريم ما حرم عليهم .

واسم الإشارة في قوله : ذلك جزيناهم مقصود به التحريم المأخوذ من قوله : ذلك جزيناهم مقصود به التحريم المأخوذ من قوله : ( حرمنا ) فهو في موضع مفعول ثان لـ ( جزيناهم ) قدم [ ص: 144 ] على عامله ومفعوله الأول للاهتمام به والتثبيت على أن التحريم جزاء لبغيهم .

وجملة وإنا لصادقون تذييل للجملة التي قبلها قصدا لتحقيق أن الله حرم عليهم ذلك ، وإبطالا لقولهم : إن الله لم يحرم علينا شيئا وإنما حرمنا ذلك على أنفسنا اقتداء بيعقوب فيما حرمه على نفسه ؛ لأن اليهود لما انتبزوا بتحريم الله عليهم ما أحله لغيرهم مع أنهم يزعمون أنهم المقربون عند الله دون جميع الأمم ، أنكروا أن يكون الله حرم عليهم ذلك وأنه عقوبة لهم ، فكانوا يزعمون أن تلك المحرمات كان حرمها يعقوب على نفسه نذرا لله فاتبعه أبناؤه اقتداء به ، وليس قولهم بحق : لأن يعقوب إنما حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ، كما ذكره المفسرون وأشار إليه قوله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة في سورة آل عمران .

وتحريم ذلك على نفسه لنذر أو مصلحة بدنية لا يسري إلى من عداه من ذريته ، وأن هذه الأشياء التي ذكر الله تحريمها على بني إسرائيل مذكور تحريمها في التوراة ، فكيف ينكرون تحريمها .

فالتأكيد للرد على اليهود ، ونظير قوله هنا : وإنا لصادقون قوله في سورة آل عمران عقب قوله : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين إلى قوله : قل صدق الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث