الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النظر الثاني في أحكامها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

النظر الثاني : في أحكامها ، وفي الكتاب هي على الجواز - للمجاعل الترك متى شاء - وفي الجواهر هي جائزة من الجانبين ما لم يشرع في العمل كالقراض ، ولأنها معلقة على شرط فأشبهت الوصية ، فإن شرع فمن جانب الجاعل خاصة . وحكى اللخمي قولين آخرين : إنها تلزم بالقول في حق الجاعل خاصة دون المجعول له ، وإنها كالإجارة تلزمهما بالقول ، وبالجواز من الجانبين قال ( ش ) . قال ابن يونس في كتاب ابن حبيب : تلزم الجعالة بالعقد قبل العمل ، ولا تلزم [ ص: 18 ] المجعول له .

قاعدة : العقود قسمان ، منها ما يستلزم مصالحها التي شرعت لأجلها ، فشرعت على اللزوم - كالبيع ، والهبة ، والصدقة ، وعقود الولايات ، فإن التصرف المقصود بالعقد يمكن عقيب العقد ، وهذا القسم هو الأصل ; لأن الأصل ترتب الأحكام على أسبابها ، ومنها ما لا يستلزم مصلحته كالجعالة ، فإن رد الآبق قد يتعذر فشرعت على الجواز ، ولكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد على نفسه ، لئلا يلزمه ما لا يتعين مصلحته ، ومن هذا القسم القراض .

نظائر : قال أبو عمران خمس مسائل لا تلزم بالعقد : الجعالة ، والقراض - وقال ابن حبيب : يلزم - والمغارسة ، والوكالة ، وتحكيم الحاكم ما لم يشرعا في الحكومة ، وقيل : يلزمهما .

فرع : قال ابن يونس : قول مالك للمجعول له الترك متى شاء ولا شيء له ، معناه إلا أن ينتفع الجاعل بما عمل مثل حمل خشبة إلى موضع فيتركها في بعض الطريق ، أو حفر بئر فيحفر بعضها فيستأجر المالك على الباقي فيكون للثاني أجرة وللأول بقدر ما انتفع الجاعل ، ويحط عنه من أجرة الثاني لئلا يكون أكل المال بالباطل ، وفي المستخرجة لو كان جعل الأول خمسة وبلغها النصف وأجرة الثاني عشرة فللأول عشرة لفعله مثل الثاني ، قال وفيه نظر ، فإن الجعل يجوز مع الغبن والإجارة قد تغلو بعد ذلك .

فرع : قال مالك : المجاعل على البيع والشراء ليس عليه ضمان الثمن ولا السلعة ; لأنه كالوكيل وله جعله إن ضاعا .

[ ص: 19 ] فرع : قال : قال ابن القاسم : الجعل على البيع ثلاثة أقسام : يسمى الجعل أو الثمن ، ولا يسميهما ، ويقول بع بما رأيت وإن لم تبع فلا شيء لك منها فهذان جائزان ، والثالث : بعته أم لا فلك درهم يمتنع إلا بضرب الأجل ; لأنه إجارة ، فإن قال : فإن لم تبع ، فلك أقل من درهم ، امتنع للجهل بالجعل .

فرع : قال : إذا قال : لا تبع إلا بإذني فسد للحجر ، والأشبه رده للإجارة الفاسدة ، كان المطلوب الإشهار فقط ، فإذا وصل القيمة فله أجر مثله ; لأن المقصود قد حصل ، وإن أشهر بعد الإشهار وفطن به ففسخ ، فهل له بقدر عمله أو لا شيء له بناء على أنها إجارة فاسدة أو جعالة ، قال اللخمي : إذا أدركت الجعالة الفاسدة قبل الشروع فسخت أو بعده مكن من التمادي على القول بأن الجعالة الفاسدة ترد إلى الجعالة الصحيحة دون الإجارة ; لأن فسخها قد يذهب بعمله باطلا ، وإن رددناها للإجارة فله من الأجرة بقدر عمله ، والأول أحسن ، فلا يمنع من التمادي ، فإن أتى من الثمن بما تباع به فله جعل المثل باع الجاعل أم لا ، وإلا فلا شيء له ، فإن سمى ثمنا فوصله استحق وإلا فلا .

فرع : قال اللخمي : قال مالك : نفقة الآبق على المجعول له وله الجعل فقط ; لأن الجعل قبالة إحضاره مكفي المئونة وقاله ( ش ) : ولو قال إذا لم آت به فلي [ ص: 20 ] النفقة ففاسد ، فإن جاء به فجعل مثله ، وإلا فلا شيء له - قاله ابن القاسم - وقال أيضا : إن لم يجده فأجرة المثل ، فرده إلى الإجارة الفاسدة لما جعل له شيئا ثابتا على كل حال .

فرع : قال : إن هرب الآبق في الطريق أو ليلة قدومه على سيده ، سقط الجعل والنفقة ، لعدم التسليم وقاله ( ش ) .

فرع : في الكتاب إذا جعل في عبده لرجل عشرة ثم لآخر خمسة فأتيا به ، فالعشرة بينهما أثلاثا ; لأنها بنسبة الخمسة إلى العشرة وهو قد رضي بالعشرة ، قال ابن نافع : لكل واحد منهما نصف جعله ; لأنه الذي رضي به ويقع التشطير بالمناجمة ، قال صاحب النكت : إن جعل لأحدهما عرضا وللآخر عشرة فعلى قول ابن نافع لصاحب العرض نصفه ، وللآخر نصف العشرة ، وعلى قول ابن القاسم يقوم العرض ، فإن ساوى خمسة فلصاحب العشرة ثلثا العشرة ويخير الآخر بين ثلث العشرة أو ما قابل ذلك من العرض وهو ثلثا ذلك العرض .

فرع : قال ابن يونس : إذا تعيب العبد قبل الوصول عيبا لا يساوي الجعل ، أو قبل وجدانه ، قال مالك : له الجعل كاملا ; لأنه أتى به ، وكذلك الاستحقاق [ ص: 21 ] وظهور الحرية ، وقال أصبغ : لا شيء له في الحرية الأصلية ; لأنه غير المجعول عليه ، قال محمد : ويرجع في الاستحقاق على المستحق بالأقل من ذلك أو جعل مثله ; لأن من أتى بآبق له جعله ، قال اللخمي : قال ابن القاسم : لا شيء على المستحق بأقل من ذلك ، قال : وهو الأقيس ، إلا إن كان المستحق يطلبه بنفسه .

فرع : قال اللخمي : إذا هرب الآبق منه فترك العمل فجاء على غيره بعد عوده إلى موضعه الذي أخذ منه ، أو قريب منه لم يكن للأول شيء ، وإن أخذه في الموضع الذي وصل إليه الأول ، أو قريب منه وقد جعل للثاني جعل موضع الهرب ، فللأول بقدر ما انتفع سيده ، وإن جعل للثاني طلبه حيث يجده - قرب أو بعد - وكان الجعل فيه الآن مثل الجعل الأول لم يكن للأول شيء وإن كان الثاني أقل ; لأنه لا يطلبه إلا في الموضع القريب ، والأول بقدر ما انتفع ، قاله : ابن القاسم .

فرع : في الجواهر من أخذ آبقا فأرسله عمدا ضمنه ; لأنه متلف لمال معصوم .

فرع : قال فإن أتلف منه قريبا فجاء به آخر ، قال مالك : الجعل بينهما .

[ ص: 22 ] فرع : قال تجوز الزيادة والنقصان في الجعل قبل فراغ العامل .

فرع : قال : إن أنكرت سعي العامل في الرد صدقت ; لأن الأصل عدم السعي ، أو تنازعتما في مقدار الجعل تحالفتما وله جعل المثل .

تنبيه : قال : تردد بين الجعالة والإجارة الطيب على البرء ، وتعليم القرآن ، واستخراج المياه من الآبار والعيون ، والمغارسة ، وكراء السفن ، وكذلك اختلف هل هي على البلاغ كالجعالة أم لا ، وهذا التردد منشأ الخلاف في هذه الفروع .

فرع : في النوادر لو جعل على تقاضي الغريم فأبرأه أو أخره بعد شروع المجاعل في التقاضي ، أو جعل في آبق فأعتقه بعد الشروع ، فللمجاعل الجعل ; لأن المنع من قبل الجاعل وإن لم يشرع فلا شيء له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث