الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله

( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكرهه لص بالقتل على قطع يد نفسه ، فهو إن شاء الله [ ص: 67 ] في سعة من ذلك ; لأنه ابتلي ببليتين ، فله أن يختار أهونهما عليه لحديث عائشة رضي الله عنها قالت { : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما } ، ثم حرمة الطرف تابعة لحرمة النفس ، والتابع لا يعارض الأصل ، ولكن يترجح جانب الأصل ، ففي إقدامه على قطع اليد مراعاة حرمة نفسه ، وفي امتناعه من ذلك تعريض النفس ، وتلف النفس يوجب تلف الأطراف لا محالة ، ولا شك أن إتلاف البعض لإبقاء الكل يكون ، أولى من إتلاف الكل .

( ألا ترى ) أن من ، وقعت في يده أكلة يباح له أن يقطع يده ليدفع به الهلاك عن نفسه ، وقد ، فعله عروة بن الزبير رضي الله عنه ، فهذا المكره في معنى ذلك من وجه ; لأنه يدفع الهلاك عن نفسه بقطع طرفه إلا أنه قيده بالمشيئة هنا ; لأن هذا ليس في معنى الأكلة من كل وجه ، وحرمة الطرف كحرمة النفس من وجه ، فلهذا تحرز عن الإثبات في الجواب ، وقال إن شاء الله في سعة من ذلك ، فإن قطع يد نفسه ، ثم خاصم المكره فيه قضى القاضي له على المكره بالقود ; لأن القطع صار منسوبا إلى المكره لما تحقق الإكراه على ما بينه في مسألة المكره على القتل ، فكأن المكره باشر قطع يده ، وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وإنما الإشكال على قول أبي يوسف رحمه الله ، فإنه لا يوجب القود على المكره ، فقيل في هذا الفصل لا قود عليه عند أبي يوسف أيضا ، ولكن يلزمه أرش اليد في ماله ، وقيل هنا يجب القود عنده ; لأنه إنما يجعل المكره آلة في قتل الغير لكونه آثما لا يحل له الإقدام على القتل ، وهنا يحل للمكره الإقدام على قطع يده ، فكان هو آلة بمنزلة المكره على إتلاف المال ، فيجب القود على المكره . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث