الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية على كلام ابن سينا في " الإشارات " عن الكليات

قلت: يقال له: قولك: "قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس" إما أن تريد أن الموجود هو ما أحسه الشخص المعين، أو ما يمكن إحساسه في الدنيا أو ما يمكن الإحساس به ولو بعد الموت، فأما الأول فلا يقوله عاقل، فإنه ما من عاقل إلا ويعلم إما بخبر غيره، وإما بنظره وقياسه ما لم يعلمه بحسه، ومن حكى عن البراهمة أو غيرهم من الأمم - أنهم حصروا الموجودات في المحسوسات بمعنى أنه ما لم يحسه الشخص المعين لا يصدق به، وأنه لا يصدق بالأخبار المتواترة وغيرها، فلم يفهم مرادهم، فإن أمة من الأمم لها بلاد يعيشون فيها لا بد أن يميز الرجل بين أمه وأبيه، وأن يعرف من حوادث بلده وسير ملوكهم وعاداتهم ما لا يعرفه إلا بالخبر، وهذا نظير حكاية من حكى أن أمة من الأمم يقال لهم السوفسطائية ينسبون إلى رجل يقال له: "سوفسطا" يجحدون الحقائق، أو علمهم بجميع الحقائق، أو يقفون، أو يجعلون الحقائق مطلقا تابعة للعقائد، فإن هذا لا يتصور أن تكون عليه أمة من الأمم لهم بقاء في الدنيا، وإنما السفسطة كلمة معربة أصلها "سوفسقيا" وهي كلمة يونانية، أي حكمة مموهة بالسفسطة [أي] الكلام الباطل المشبه للحق، وهذا يعرض لكثير من الناس أو لأكثرهم في كثير من الأمور لا في جميعها، فإنه، كما تعرض الأمراض [ ص: 131 ] للأبدان كذلك تعرض الأمراض للنفوس: مرض الشبهات والشهوات.

وفي الحديث المأثور: إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، رواه البيهقي مرسلا، وزاد فيه بعضهم: ويحب السماحة، ولو بكف من تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل الحيات.

ولكن البراهمة أنكرت ما سوى هذا الموجود المحسوس، كما هو قول الطبيعية من الفلاسفة، وقول الفرعونية ونحوهم، وهذا هو المردود عليهم، وسيأتي بيان ذلك في حكاية الإمام أحمد مناظرتهم لجهم، ويمكن أن البراهمة - أو بعضهم - قال ما لا يمكن معرفته بالحس ألبتة فهو ممتنع، وهذا قول أكثر أهل الأرض من أهل الملل وغيرهم، وهو القول الذي أنكره ابن سينا وأراد إبطاله.

لكن هؤلاء نوعان: منهم من أنكر ما لا يحسه عموم الناس في الدنيا، حتى أنكر الملائكة والجن، بل وجحد رب العالمين سبحانه، فهؤلاء هم الكفار الدهرية المعطلة المحضة.

وابن سينا وأمثاله يردون على هؤلاء، لكن يردون عليهم أحيانا بحجج فاسدة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث