الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5288 [ ص: 177 ] 13 - باب: استعذاب الماء

                                                                                                                                                                                                                              5611 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، وكانت مستقبل المسجد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران:92] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بخ ذلك مال رابح - أو رايح، شك عبد الله - وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه.

                                                                                                                                                                                                                              وقال إسماعيل ويحيى بن يحيى: "رايح". [انظر: 1461 - مسلم: 998 - فتح 10 \ 74]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث أنس - رضي الله عنه - في قصة بيرحاء السالفة في الزكاة ، وموضع الحاجة منه قوله: (ويشرب من ماء فيها طيب). وقال فيه: "بخ ذلك قال رابح - أو - رايح، شك عبد الله - وقال إسماعيل ويحيى بن يحيى: "رايح".

                                                                                                                                                                                                                              وحديث ابن عباس السالف أنه - عليه السلام - قال لامرأة أبي الهيثم: أين أبو الهيثم؟ فقالت: لرسول الله يستعذب لنا الماء. الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 178 ] وروى ابن أبي عاصم من حديث أبي هريرة مثله مرفوعا، ومن حديث عائشة أنه - عليه السلام - كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا، ولا شك أن التماس الماء العذب لا ينافي الزهد، ولا يدخل في الترفه المكروه بخلاف تطييب الماء بالمسك وشبهه الذي يكرهه مالك; لأنه نص على كراهة الماء المطيب بالكافور للمحرم والحلال قال: لأنه نوع من السرف.

                                                                                                                                                                                                                              وشرب الماء وطلبه مباح للصالحين والفضلاء وليس شرب الماء الزعاق أفضل من شرب العذب; لأنه - عليه السلام - كان يشرب العذب ويؤثره، وفيه القدوة والأسوة الحسنة ومحال أن يترك الأفضل في شيء من أفعاله، وفيه دلالة على استعذاب الأطعمة وجميع المآكل جائز لذوي الفضل وأن ذلك من أفعال الصالحين.

                                                                                                                                                                                                                              ولو أراد الله أن لا يؤكل لذيذ المطاعم لم يخلقها لعباده ولا امتن بها عليهم بل أراد منهم أكلها ومقابلتها من الشكر الجزيل عليها والحمد بما من به منها بما ينبغي لكرم وجهه وعز سلطانه، فإن كانت نعمة لا تكافئ شكرا عليها إلا بتجاوزه عن تقصيرنا، وقد قال أهل التأويل في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [المائدة: 87] أنها أنزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ المطاعم.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              بيرحاء: فيها لغات كثيره أسلفتها، واقتصر ابن التين هنا على أن الرواية بالمد والقصر، فإن كان منسوبا إلى حاء التي هي من حروف الهجاء فهي تمد وتقصر، وإن كانت حاء من برح همز حاء أو تكون زجر الإبل بالمد والقصر أيضا.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 179 ] فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في الشرب من ماء الجباب بغير ثمن.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وبخ: كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء وتكرر للمبالغة فيقال: بخ بخ فإن وصلت خفضت ونونت وربما شددت كالاسم.

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى رابح بالباء: أي ربح كثير الربح، وقيل: وضعه صاحبه موضع الربح وهو من حسن كلامهم، تقول: مال رابح ومتجر رابح ولا تقول: مربح.

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى رايح بالمثناة تحت من راح: أي يروح أجره إلى يوم القيامة، وقيل: يروح عليه في الآخرة بالأجر العظيم.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              فيه كما قال أبو عبد الملك: أن من تصدق بشيء معين لزمه إن كان أكثر من ثلثه; لأنه - عليه السلام - لم يسأله أهو أكثر من ثلث ماله؟ وهذا لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون - عليه السلام - علم كثرة ماله يؤيده: (وكان أكثر أنصاري بالمدينة مالا) لا جرم. قال ابن التين : إنه أظهر الاحتمالين، قال: وفي مشهور مذهب مالك يلزمه ذلك، وقيل: لا يلزمه.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (فجعلها في أقاربه وبني عمه)، يريد: وهم بنو عمه ولم يختلف أنه إذا أوصى بشيء لقرابته أن قرابته من قبل أبيه يدخلون، واختلف هل يدخل قرابته من أمه، فقال ابن القاسم: لا، وقال ابن الماجشون: نعم ويدخل بنو البنات.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية