الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب المسابقة على نحو خيل

جزء التالي صفحة
السابق

كتاب المسابقة على نحو خيل

وتسمى الرهان وقد تعم ما بعدها ، بل ظاهر كلام الأزهري أنها موضوعة لهما ، فعليه العطف الآتي عطف خاص على عام من السبق بسكون الباء وهو التقدم ، وأما بالتحريك فهو المال الموضوع بين السباق ( والمناضلة ) على نحو السهام من " نضله " بمعنى غلبه .

والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وخبر الصحيحين : أنه صلى الله عليه وسلم أجرى ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع ، وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق .

وهذا الباب لم يسبق للشافعي رضي الله عنه أحد إلى تصنيفه ( هما ) أي كل منهما ( سنة ) للمتأهب للجهاد من المسلمين الرجال كما يأتي لما ذكر دون النساء والخناثى لعدم تأهلهما لهما ، ويتجه حرمة ذلك عليهما بمال لا بغيره ، ويكره كراهة شديدة لمن عرف الرمي تركه لخبر مسلم { من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى } والمناضلة آكد من شقيقتها للآية ولخبر السنن { ارموا واركبوا ، وأن ترموا خير لكم من أن تركبوا } ولأنه [ ص: 165 ] ينفع في المضيق والسعة ، وما قاله الزركشي من أنه ينبغي أن يكونا فرض كفاية لأنهما وسيلتان له يمكن رده بمنع كونهما وسيلتين لأصله الذي هو الفرض ، وإنما هما وسيلتان لإحسان الإقدام والإصابة الذي هو كمال وحينئذ فالمتجه كلامهم ، إما بقصد مباح فمباحان أو حرام كقطع طريق فحرامان ( ويحل أخذ عوض عليهما ) لأخبار فيه وسيأتي بيانه ، ويعتبر في باذله لا قابله إطلاق تصرف فليس للولي صرف شيء من مال موليه فيه بخلاف تعلم نحو قرآن أو علم أو صنعة وصح خبر { لا سبق أي بالفتح وقد تسكن إلا في خف أو حافر أو نصل } ( وتصح ) ( المناضلة على سهام ) عربية أو عجمية فالأول النبل والثاني النشاب وعلى جميع أنواع القسي والمسلات والإبر ( وكذا مزاريق ) وهي رماح قصار ( ورماح ) هو عطف عام على خاص ( ورمي بأحجار ) بيد أو مقلاع بخلاف إشالتها المسماة بالعلاج ، والمراماة بها بأن يرمي بها كل إلى صاحبه ( ومنجنيق ) بفتح الميم والجيم في الأشهر وهو عطف خاص على عام ( وكل نافع في الحرب ) ( على المذهب ) لأنه في معنى السهم المنصوص عليه فحل بعوض ودونه ومحل حل الرمي إذا كان لغير جهة الرامي ، أما لو رمى كل إلى صاحبه فحرام قطعا لأنه يؤذي كثيرا ، نعم لو كان عندهما حذق بحيث يغلب على ظنهما سلامتهما منه لم يحرم ويحل اصطياد الحية لحاذق في صنعته حيث غلب على ظنه سلامته منها وقصد ترغيب الناس في اعتماد معرفته كما يؤخذ مما ذكره المصنف في فتاويه في البيع . ويؤخذ من كلامه أيضا حل أنواع اللعب الخطرة من الحاذق بها حيث غلب على الظن سلامته .

ويحل التفرج على ذلك حينئذ والأقرب جواز التقاف لأنه ينفع في الحرب حيث خلا عن الخصام المعروف عند أهله ( لا ) مسابقة بمال ( على كرة صولجان ) أي محجن وهي خشبة منحنية الرأس ( وبندق ) أي رمى به بيد أو قوس ( وسباحة ) وغطس بما اعتيد الاستعانة به في الحرب ، وإنما قيد الأخير بما ذكرناه لتولد الضرر منه بل الموت بخلاف السباحة ونحوها ( وشطرنج ) بكسر أو

[ ص: 166 ] فتح أوله المعجم أو المهمل ( وخاتم ووقوف على رجل ) وشباك في أوجه الوجهين ( ومعرفة ما بيده ) من زوج أو فرد وكذا سائر أنواع اللعب كمسابقة سفن أو أقدام لعدم نفع كل ذلك في الحرب أي نفعا له وقع يقصد فيه ، أما بغير ذلك فيحل كل ذلك ( وتصح ) ( المسابقة ) بعوض ( على خيل ) وإبل تصلح لذلك وإن لم تكن مما يسهم لها ( وكذا فيل وبغل وحمار في الأظهر ) لعموم الخف والحافر لكل ذلك ، والثاني المنع لأنها لا تصلح للكر والفر ولا يقاتل عليها غالبا أما عقدها على ذلك بغير عوض فصحيح قطعا ( لا طير وصراع ) بكسر أوله وقد يضم ( في الأصح ) لأنها ليست من آلات القتال ومثلهما بقر بعوض ، ونحو مهارشة ديكة ومناطحة كباش ولو بلا عوض بالاتفاق لأنه سفه ومن فعل قوم لوط .

والثاني يجوز للحاجة إليها في الحرب في الطير ، ولأن في الصراع إدمانا وقوة ، وقد { صارع صلى الله عليه وسلم ركانة على شياه } .

وأجاب عنه الأول بأنه أراه شدته ليسلم ولهذا لما أسلم رد عليه غنمه ، ومحل الخلاف فيما لو كان على عوض وإلا جاز قطعا ( والأظهر أن عقدهما ) المشتمل على إيجاب وقبول : أي المسابقة والمناضلة بعوض منهما أو من أحدهما أو من غيرهما ( لازم ) كالإجارة ، لكن من جهة باذل العوض فقط ، وما في الأنوار من أن الصحيح هنا مضمون دون الفاسد رد بأن المرجح وجوب أجرة المثل في الفاسد ( لا جائز ) من جهته بخلاف غيره كالمحلل الآتي ، أما بغير عوض فجائز جزما وعلى لزومه ( فليس لأحدهما ) الذي هو ملتزمه ولا للأجنبي الملتزم أيضا ( فسخه ) ما لم يظهر عيب في عوض معين وقد التزم كل منهما كما في الأجرة .

نعم لا يجب التسليم هنا قبل المسابقة لخطر شأنها ، بخلاف الإجارة .

وأيضا ففيها عوض يقبضه حالا فلزمه فيها الإقباض قبل الاستيفاء ولا كذلك هنا ، أما لو اتفقا على الفسخ جاز مطلقا .

ولعلهم إنما لم ينظروا للمحلل فيما لو اتفقا الملتزمان على الفسخ لأنه لم يثبت له حق ولا التزام منه ( ولا ترك العمل قبل شروع وبعده ) سواء كان منضولا أم ناضلا وأمكن أن يدرك صاحبه ويسبقه ، فإن لم يمكنه ذلك كان له الترك لأنه حق نفسه ( ولا زيادة ونقص فيه ) أي في العمل ( ولا في مال ) ملتزم بالعقد كالإجارة إلا أن يفسخاه ويستأنفا عقدا

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

كتاب المسابقة

( قوله : أجرى ما ضمر ) من باب قعد وقرب مصباح وعبارة مقدمة الفتح المضمر وزان محمد المعد للسباق ومنه الخيل التي ضمرت ، وفي رواية أضمرت والتي لم تضمر ، وفي المصابيح لم تضمر بالبناء للمجهول من الإضمار والتضمير : أي فما هنا بضم الضاد وتشديد الميم المكسورة لا غير ، وما في المختار بيان للمجرد منه وهذا مزيد قال في المصباح : ضمرته وأضمرته : أعددته للسباق ، وهو أن تعلفه قوتا بعد السمن ( قوله لما ذكر ) أي من الآية والخبر ( قوله : أو فقد عصى ) أي خالفنا وهو محمول على الكراهة المذكورة ( قوله : ولخبر السنن ) [ ص: 165 ] أي المروي في السنن ا هـ .

وفي نسخة أنس ( قوله : إما بقصد مباح ) محترز ما فهمه من قوله للمتأهب للجهاد إذ محل سنهما فيمن قصد بهما التقوي على قتال العدو ( قوله : فحرامان ) أو المكروه فمكروهان قياسا على ما ذكر ( قوله : ويعتبر في باذله لا قابله ) أي فيجوز في القابل أن يكون سفيها وأما الصبي فلا يجوز العقد معه لإلغاء عبارته ( قوله : هو عطف عام على خاص ) قال في المصباح : المزراق رمح قصير أخف من العنزة والرمح معروف ا هـ أي فيشمل الطويل والقصير فهو أعم من المزراق ( قوله : ومحل حل الرمي ) أي المذكور في قول المصنف ورمي بأحجار ( قوله : أما لو رمى كل ) وينبغي أن مثل ذلك ما جرت به العادة في زمننا من الرمي بالجريد للخيالة فيحرم لما ذكره الشارح ( قوله بحيث يغلب على ظنهما سلامتهما ) ومنه البهلوان وإذا مات يموت شهيدا ( قوله : لم يحرم ) أي حيث لا مال ( قوله : حيث غلب الظن سلامته ) ومنه اللعب بالرمح المسمى عندهم بلعب العود ( قوله : ويحل التفرج على ذلك حينئذ ) ومثله سماع الأعاجيب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه بقصد الفرجة بل ولو تيقن كذبه لكن قصد به ضرب الأمثال والمواعظ وتعليم نحو الشجاعة على ألسنة آدميين أو حيوانات انتهى حج ( قوله : والأقرب جواز التقاف ) ظاهر التعبير بالجواز الإباحة ( قوله : على كرة ) بالتخفيف وهي المعروفة الآن بالكورة ( قوله : بيد أو قوس ) التعبير به قد يشكل بما مر من جواز المسابقة على الرمي بالأحجار فإن الرمي بالقوس بالبندق منه ومن ثم [ ص: 166 ] قال شيخنا الزيادي وبندق يرمى به إلى حفرة ونحوها والمراد به ما يؤكل ويلعب به في العيد ، أما بندق الرصاص والطين فتصح المسابقة عليه لأن له نكاية في الحرب أشد من السهام رملي انتهى .

ويمكن حمل كلام الشارح عليه بأن يقال يرمى به للمحل الذي اعتيد لعبهم به فيه ( قوله : لأنها ليست من آلات القتال إلخ ) أي المذكورات في قوله لا على كرة صولجان وبندق إلخ ، ويدل لما ذكر قول المنهج لا كطير وصراع وكرة محجن وبندق وعوم إلخ ، وقوله وتصح المسابقة على خيل جملة معترضة ، ولو قال لأنهما ليسا من آلات القتال لكان أولى لأنه قدم تعليل عدم الصحة في المذكورات قبلهما بقوله لعدم نفع كل ذلك في الحرب ( قوله : ومثلهما بقر ) أي مسابقة على بقر إلخ ( قوله : ولو بلا عوض ) أي في المهارشة والمناطحة ( قوله : ومحل الخلاف ) أي في الصراع والطير ( قوله : وجوب أجرة المثل في الفاسدة ) أي المسابقة الفاسدة ، وعمومه شامل لما إذا شرط المال فيهما على كل للآخر أجرة المثل وفيه أن هذا كما يأتي من القمار المحرم وقياسه أن لا أجرة فيه ( قوله : وقد التزم كل منهما ) أي من الأجنبي وأحد المتعاقدين



حاشية المغربي

كتاب المسابقة ( قوله : من الحفياء إلى ثنية الوداع ) قال سفيان إنه خمسة أميال أو ستة ( قوله : للمتأهب ) عبارة التحفة بقصد التأهب للجهاد وأخذ محترزه ، وهو الآتي في قول الشارح أما بقصد مباح إلخ ، فكان عليه أن يعبر هنا بمثل ما في التحفة ( قوله : لما ذكر ) أي من الآية والخبر تعليل للسنية [ ص: 165 ] قول المتن وبندق ) المراد بندق العيد الذي يؤكل ويلعب به فيه ، فالمراد برميه رميه في نحو البركة التي يسمونها بالجون ، أما بندق الرصاص والطين ونحوهما فتصح المسابقة عليه لأن له نكاية في الحرب أي نكاية كما ذكره الزيادي كغيره ونقله ابن قاسم عن والد الشارح ( قوله بما اعتيد الاستعانة به إلخ ) هذا القيد إنما يظهر أثره بالنسبة للمفهوم الآتي : أي إذا وقع بلا مال [ ص: 166 ] قوله : لأنه لم يثبت له حق ) عبارة التحفة : لأنه إلى الآن لم يثبت له حق إلخ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث