الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وبعهد الله أوفوا

وبعهد الله أوفوا

ختم هذه المتلوات بالأمر بإيفاء العهد بقوله : وبعهد الله أوفوا . وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي [ ص: 169 ] اقتضته الإضافة ، إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلى الفاعل ، أي ما عهد الله به إليكم من الشرائع ، ويصح أن تكون إلى مفعوله ، أي ما عاهدتم الله أن تفعلوه والتزمتموه وتقلدتموه ، ويصح أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة ، أي العهد الذي أمر الله بحفظه ، وحذر من ختره ، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد . ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة لإفادتها عدل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل ، بأن يقال : وبما عاهدتم الله عليه ، أو نحو ذلك ما لا يحتمل إلا معنى واحدا . وإذ كان الخطاب بقوله : تعالوا للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم ، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاة والصلح أو نحو ذلك ، فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه . وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد حلفا قال الحارث بن حلزة : واذكروا حلف ذي المجاز وما قدم فيه العهود والكفلاء وقال عمرو بن كلثوم :

ونوجد نحن أمنعهم ذمارا وأوفاهم إذا عقدوا يمينا

فالآية آمرة لهم بالوفاء ، وكان العرب يتمادحون به . ومن العهود المقررة بينهم : حلف الفضول ، وحلف المطيبين ، وكلاهما كان في الجاهلية على نفي الظلم والجور عن القاطنين بمكة ، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السلام أن يجعل مكة بلدا آمنا ومن دخله كان آمنا ، وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثل عمار ، وبلال ، وعامر بن فهيرة ، ونحوهم ، فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان مكة ، وخفر عهودكم بذلك أولى بأن تحرموه [ ص: 170 ] من مزاعمكم الكاذبة فيما حرمتم وفصلتم ، فهذا هو الوجه في تفسير قوله : وبعهد الله أوفوا .

وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السامع عنه ، ليتقرر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء ، أي إن كنتم ترون الوفاء بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه ، فهذا كقوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ثم قال : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث