الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كتاب الحجر

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن الله تعالى خلق الورى ، وفاوت بينهم في الحجا ، فجعل بعضهم أولو الرأي ، والنهى ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، وجعل بعضهم مبتلى ببعض أصحاب الردى فيما يرجع إلى معاملات الدنيا كالمجنون الذي هو عديم العقل والمعتوه الذي هو ناقص العقل ، فأثبت الحجر عليهما عن التصرفات نظرا من الشرع لهما واعتبارا بالحجر الثابت على الصغير في حال الطفولية بسبب عدم العقل بعدما صار مميزا بسبب نقصان العقل ، وذلك منصوص عليه في الكتاب فيثبت الحجر في حق المعتوه ، والمجنون استدلالا بالنصوص [ ص: 157 ] بطريق التشبيه ; لأن حالهما دون حال الصبي فالصبي عديم العقل إلى الإصابة عادة ، والمجنون عديم العقل إلى الإصابة عادة ، ولهذا جاز إعتاق الصبي في الرقاب الواجبة دون المجنون ، فأما إذا بلغ عاقلا ، فلا حجر عليه بعد ذلك على ما قال أبو حنيفة رحمه الله : الحجر على الحر باطل ، ومراده إذا بلغ عاقلا ، وحكي عنه أنه كان يقول : لا يجوز الحجر إلا على ثلاثة على المفتي الماجن ، وعلى المتطبب الجاهل ، وعلى المكاري المفلس ; لما فيه من الضرر الفاحش إذا لم يحجر عليهم ، فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم ، والمكاري المفلس يتلف أموالهم فيمتنعون من ذلك دفعا للضرر .

فإن الحجر في اللغة هو المنع والاختلاف بين العلماء رحمهم الله ، ورأى هذا في فصلين : أحدهما الحجر على السفيه المبذر ، والآخر الحجر على المديون بسبب الدين ، والسفه هو العمل بخلاف موجب الشرع ، وهو اتباع الهوى ، وترك ما يدل عليه العقل ، والحجى ، وأصل المسامحة في التصرفات ، والبر والإحسان مندوب إليه شرعا ، ولكن بطريق السفه والتبذير مذموم شرعا وعرفا ، ولهذا لا تنعدم الأهلية بسبب السفه ، ولا يجعل السفه عذرا في إسقاط الخطاب عنه بشيء من الشرائع ، ولا في إهدار عبارته فيما يقر به على نفسه من الأسباب الموجبة للعقوبة .

وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجوز الحجر عليه عن التصرفات بسبب السفه أيضا ، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله يجوز الحجر عليه بهذا السبب عن التصرفات المحتملة للفسخ إلا أن أبا يوسف ومحمدا رحمهما الله قالا أن الحجر عليه على سبيل النظر له ، وقال الشافعي على سبيل الزجر ، والعقوبة له ، ويتبين هذا الخلاف بينهم فيما إذا كان مفسدا في دينه مصلحا في ماله كالفاسق ، فعند الشافعي رحمه الله يحجر عليه بهذا النوع من الفساد بطريق الزجر ، والعقوبة ، ولهذا لم يجعل الفاسق أهلا للولاية ، وعندهما لا يحجر عليه ، فالفاسق عند أصحابنا جميعا رحمهم الله أهل للولاية على نفسه على العموم ، وعلى غيره إذا وجد شرط ، تعدى ولايته لغيره أما من جوز الحجر على السفيه ، فقد احتج بقوله تعالى { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ، أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } وهو تنصيص على أن إثبات الولاية على السفيه ، وأنه مولى عليه ، ولا يكون ذلك إلا بعد الحجر عليه وقال الله تعالى { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } إلى أن قال { واكسوهم } وهذا أيضا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر له ، فإن الولي الذي يباشر التصرف في ماله على وجه النظر منه له وروي أن حبان بن منقذ الأنصاري رضي الله عنه كان يغبن في البياعات لآمة أصابت رأسه ، فسأل أهله رسول الله [ ص: 158 ] صلى الله عليه وسلم أن يحجر عليه ، فقال : إني لا أصبر عن البيع ، فقال عليه الصلاة والسلام إذا بايعت ، فقل لا خلابة ، ولي الخيار ثلاثة أيام ، فلو لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال مشروعا عرفا لما سأل أهله ذلك ، ولما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه كان يفني ماله في اتخاذ الضيافات حتى اشترى دارا للضيافة بمائة ألف فبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر عليه فاهتم بذلك عبد الله رضي الله عنه ، وجاء إلى الزبير رضي الله عنه ، وأخبره بذلك فقال أشركني فيها فأشركه ، ثم جاء علي إلى عثمان رضي الله عنه ، وسأله أن يحجر عليه ، فقال كيف أحجر على رجل شريكه الزبير ، وإنما قال ذلك ; لأن الزبير رضي الله عنه كان معروفا بالكياسة في التجارة ، فاستدل برغبته في الشركة على أنه لا غبن في تصرفه ، فهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بسبب التبذير ، فإن عليا رضي الله عنه سأل وعثمان رضي الله عنه اشتغل ببيان العذر ، واهتم لذلك عبد الله رضي الله عنه ، واحتال الزبير لدفع الحجر عنه بالشركة ، فيكون اتفاقا منهم على جواز الحجر بهذا السبب .

وإن عائشة رضي الله عنها كانت تتصدق بمالها حتى روي أنها كان لها رباع ، فهمت ببيع رباعها لتتصدق بالثمن ، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال لتنتهين عائشة عن بيع رباعها ، أو لأحجرن عليها والمعنى فيه أنه مبذر في ماله ، فيكون محجورا عليه كالصبي بل أولى ; لأن الصبي إنما يكون محجورا عليه لتوهم التبذير منه ، وقد تحقق التبذير ، والإسراف هنا فلأن يكون محجورا عليه أولى ، وتحقيقه ، وهو أن للصبي ثلاثة أحوال : حال عدم العقل ، وحال نقصان العقل بعد ما صار مميزا وحال السفه ، والتبذير بعد ما كمل عقله بأن قارب أوان بلوغه ، ثم عدم العقل ، ونقصانه بعد البلوغ يساوي عدم العقل ونقصانه قبل البلوغ في استحقاق الحجر به ، فكذلك السفه ، والبلوغ يساوي السفه قبل البلوغ بعد كمال العقل في استحقاق الحجر به ، وكان هذا الحجر بطريق النظر له ; لأن التبذير ، وإن كان مذموما ، فهو مستحق النظر باعتبار أصل دينه .

( ألا ترى ) أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في الدنيا والآخرة ، وذلك يكون نظرا له ، والدليل عليه أن في حق منع المال يجعل السفه بعد البلوغ كالسفه قبل البلوغ بالقياس على عدم العقل ، ونقصان العقل ، وكان منع المال بطريق النظر له ، فكذلك الحجر عليه عن التصرف ; لأن منع المال غير مقصود لعينه بل لإبقاء ملكه ، ولا يحصل هذا المقصود ما لم يقطع لسانه عن ماله تصرفا فإذا كان هو مطلق التصرف لا يفيد منع المال شيئا ، وإنما يكون فيه زيادة مؤنة ، وتكلف على المولى في حفظ ماله [ ص: 159 ] إلى أن يتلفه بتصرفه .

وأما أبو حنيفة رحمه الله ، فاستدل بقوله تعالى { ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } ، فقد نهى الولي عن الإسراف في ماله مخافة أن يكبر ، فلا يبقى له عليه ولاية ، والتنصيص على زوال ولايته عنه بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنه بالكبر ; لأن الولاية عليه للحاجة ، وإنما تنعدم الحاجة إذا صار هو مطلق التصرف بنفسه ولما سئل أبو حنيفة رحمه الله عن هذه المسألة استدل بآيات الكفارات من الظهار ، والقتل ، وغيرها ، ففي هذه العمومات بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا سفيها كان أو غير سفيه ، وارتكاب هذه الأسباب اختيارا نوع من السفه ، فدل أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال .

ومن ضرورته أن لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا وبه يتبين أن الحجر عن التصرفات ليس فيه كثير فائدة لتمكنه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب ، والمعنى فيه أنه حر مخاطب ، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد وفي هذين الوصفين إشارة إلى أهلية التصرف والمحلية فيه ; لأن بكونه مخاطبا نثبت أهلية التصرف ، فإن التصرف كلام ملزم وأهلية الكلام بكونه مميزا ، والكلام المميز بنفسه بكونه مخاطبا والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه ، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك وبعد ما صدر التصرف من أهله في محله لا يمتنع نفوذه إلا لمانع ، والسفه لا يصلح أن يكون معارضا للحرية ، والخطاب في المنع من نفوذ التصرف ; لأن بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله ، ولكن السفيه يكابر عقله ، ويتابع هواه وهذا لا يكون معارضا في حق التصرف كما لا يكون معارضا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع ، وكونه معاقبا على تركه أن زوال الحجر ، وتوجه الخطاب في الأصل ينبني على اعتدال الحال إلا أن اعتدال الحال باطنا لا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرع السبب الظاهر الدال عليه ، وهو البلوغ عن عقل مقامه تيسيرا على ما هو الأصل أنه متى تعذر الوقوف على المعاني الباطنة تقام الأسباب الظاهرة مقامها كما أقيم السير المديد مقام المشقة في جواز الترخص ، وأقيم حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة مقام حقيقة استعمال الرحم بالماء في وجوب الاستبراء ، ثم هذا السبب الظاهر يقوم مقام ذلك المعنى الخفي ، فيدور الحكم معه وجودا ، وعدما فكما لا يعتبر الرشد قبل البلوغ ، وإن علم أنه أصاب ذلك في زوال الحجر عنه ، فكذلك لا يعتبر السفه ، والتبذير بعد البلوغ في إثبات الحجر عليه .

( ألا ترى ) أن في حكم الخطاب اعتبر هذا المعنى ، فدار مع السبب الظاهر ، وهو البلوغ عن عقل وجودا وعدما ، فكذلك في حكم التصرفات بل أولى .

; لأن توجه الخطاب عليه [ ص: 160 ] إنما يكون شرعا والله تعالى أعلم بحقيقة باطنه ، وحكم التصرف بينه ، وبين العباد لا طريق لهم إلى معرفة ما في باطنه حقيقة فلما أقيم هناك السبب الظاهر مقام المعنى الخفي ، فهنا أولى ، والدليل عليه جواز إقراره على نفسه بالأسباب الموجبة للعقوبة ، وإقامة ذلك عليه ، وتلك العقوبات تندرئ بالشبهات ، فلو بقي السفه معتبرا بعد البلوغ عن عقل لكان الأولى أن يعتبر ذلك فيما يندرئ بالشبهات ، ولو جاز الحجر عليه بطريق النظر له لكان الأولى أن يحجر عليه عن الإقرار بالأسباب الموجبة للعقوبة ; لأن الضرر في هذا أكثر ، فإن الضرر هنا يلحقه في نفسه ، والمال تابع للنفس ، فإذا لم ينظر له في دفع الضرر عن نفسه فعن ماله أولى ، وما قالا من أن النظر له باعتبار أصل دينه يضعف بهذا الفصل ثم هذا النوع من النظر جائز لا ، واجب كما في العفو عن صاحب الكبيرة ومن أصلهم أن الحجر عليه يجب ، وإنما يجوز النظر له بطريق لا يؤدي إلى إلحاق الضرر به وهو أعظم من ذلك النظر ، وفي إهدار قوله في التصرفات إلحاق له بالبهائم ، والمجانين فيكون الضرر في هذا أعظم من النظر الذي يكون له في الحجر من التصرفات ; لأن الآدمي إنما باين سائر الحيوانات باعتبار قوله في التصرفات ، فأما منع المال منه ، فعلى طريق بعض مشايخنا رحمهم الله هو ثابت بطريق العقوبة عليه ليكون زجرا له عن التبذير ، والعقوبات مشروعة بالأسباب الحسية .

فأما إهدار القول في التصرفات ، فمعنى حكمي ، والعقوبات بهذا الطريق غير مشروعة كالحدود ، ولا يدخل عليه إسقاط شهادة القاذف ، فإنه متمم لحده عندنا ، ويكون تابعا لما هو حسي ، وهو إقامة الجلد لا مقصودا بنفسه ، ولئن ثبت جواز ذلك ، ولكن لا يمكن إثبات العقوبة بالقياس بل بالنص ، وقد ورد النص بمنع المال إلى أن يؤنس منه الرشد ، ولا نص في الحجر عليه عن التصرف بطريق العقوبة ، فلا يثبته بالقياس ، وهو نظير ما قال أصحابنا رحمهم الله : إن البكر إذا كانت مخوفا عليها فللولي أن يضمها إلى نفسه ، وكذلك الغلام البالغ إذا كان مخوفا عليه ، فللولي أن يضمه إلى نفسه ، وبأن ثبت له حق الحيلولة بينه ، وبين نفسه في التفرد بالسكنى لمعنى الزجر لا يستدل به على أنه يسقط اعتبار قوله في التصرف في نفسه نكاحا ، أو منع المال منه باعتبار بقاء أثر الصبي ; لأن العادة أن أثر الصبي يبقى زمانا في أوائل البلوغ ، ولهذا لو بلغ رشيدا ، ثم صار سفيها لا يمنع المال منه ، وبأن جعل أثر الصبي كنفس الصبا في منع المال منه ، فذلك لا يدل على أن يجعل كذلك في الحجر عليه كما أن العدة تعمل عمل النكاح في المنع من النكاح دون إيفاء الحل بعد البينونة وهذا ; لأن نعمة اليد على المال نعمة [ ص: 161 ] زائدة ، وإطلاق اللسان في التصرفات نعمة أصلية ، فبان جواز إلحاق ضرر يسير به في منع نعمة زائدة لتوفر النظر عليه لا يستدل على أنه يجوز إلحاق الضرر العظيم به بتفويت النعمة الأصلية لمعنى النظر له ، فأما الآيات فقيل : المراد بالسفيه الصغير ، أو المجنون ; لأن السفه عبارة عن الخفة وذلك بانعدام العقل ونقصانه ، وعليه يحمل قوله تعالى { ، فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } أي صبيا ، أو مجنونا وكذلك قوله تعالى { ، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } إما أن يكون المراد الصبيان أو المجانين بدليل أنه لا يثبت ولاية الولي عليه ، ومن يوجب الحجر على السفيه يقول : إن ولاية الولي تزول عنه بالبلوغ عن عقل على ما بينه ، أو المراد نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء ، وجعل التصرف إليهن كما كانت العرب تفعله .

( ألا ترى ) أنه قال ، وأموالكم وذلك يتناول أموال المخاطبين بهذا النهي لا أموال السفهاء ، وحديث حبان بن منقذ دليلنا ذكر أبو يوسف رحمه الله في الأمالي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحجر عليه ، وعلى الرواية الأخرى أطلق عنه الحجر لقوله لا أصبر عن البيع ومن يجعل السفه موجبا للحجر لا يقول يطلق عنه الحجر بهذا القول ، فعرفنا أن ذلك لم يكن حجرا لازما .

وحديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه دليلنا أيضا ; لأن عثمان رضي الله عنه امتنع من الحجر عليه مع سؤال علي رضي الله عنه ، وأكثر ما فيه أنه لم يكن في التصرف غبن ذلك حين رغب الزبير رضي الله عنه في الشركة ولكن المبذر ، وإن تصرف تصرفا واحدا على وجه لا غبن فيه ، فإنه يحجر عليه عند من يرى الحجر فلما لم يحجر عليه دل أن ذلك على سبيل التخويف ، وحديث عائشة رضي الله عنها دليلنا ، فإنه لما بلغها قول ابن الزبير حلفت أن لا تكلم ابن الزبير أبدا ، فإن كان الحجر حكما شرعيا لما استجازت هذا الحلف من نفسها مجازة على قوله فيما هو حكم شرعي ، وبهذا يتبين أن الزبير إنما قال ذلك كراهة أن يفنى مالها ، فتبتلى بالفقر ، فتصير عيالا على غيرها بعد ما كان يعولها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمصير إلى هذا أولى ليكون أبعد عن نسبة السفه ، والتبذير إلى الصحابة رضي الله عنهم ، فإن بلغ خمسا وعشرين سنة ، ولم يؤنس منه الرشد دفع المال إليه في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - : لم يدفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لقوله تعالى { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ، فهذه آية محكمة لم ينسخها شيء ، فلا يجوز دفع المال إليه قبل إيناس الرشد منه .

( ألا ترى ) أن عند البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد لا يدفع المال إليه بهذه الآية ، فكذلك إذا بلغ خمسا ، وعشرين ; لأن السفه يستحكم بمطاولة المدة ولأن [ ص: 162 ] السفه في حكم منع المال منه بمنزلة الجنون ، والعته وذلك يمنع دفع المال إليه بعد خمس وعشرين سنة كما قبله فكذلك السفه وأبو حنيفة استدل بقوله تعالى { ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } معناه أن يكبروا يلزمكم دفع المال إليهم ، وقال الله تعالى { ، وآتوا اليتامى أموالهم } ، والمراد البالغين ، فهذا تنصيص على وجوب دفع المال إليه بعد البلوغ إلا أنه قام الدليل على منع المال منه بعد البلوغ إذا لم يؤنس رشده ، وهو ما تلوا ، فإن الله تعالى قال { حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا } وحرف الفاء للوصل والتعقيب ، فيكون بين إن دفع المال إليه عقيب البلوغ بشرط إيناس الرشد ، وما يقرب من البلوغ في معنى حالة البلوغ ، فأما إذا بعد عن ذلك فوجوب دفع المال إليه مطلق بما تلونا غير معلق بشرط ومدة البلوغ بالسن ثمانية عشر سنة فقدرنا مدة القرب منه بسبع سنين اعتبارا بمدة التمييز في الابتداء على ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ثم قد بينا أن أثر الصبا يبقى بعد البلوغ إلى أن يمضي عليه زمان ، وبقاء أثر الصبا كبقاء عينه في منع المال منه ، ولا يبقى أثر الصبا بعد ما بلغ خمسا ، وعشرين سنة لتطاول الزمان به منذ بلغ ، ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لم يمنع منه المال ; لأن هذا ليس بأثر الصبا ، فلا يعتبر في منع المال منه أو منع المال كان على سبيل التأديب له والاشتغال بالتأديب ما لم ينقطع رجاء التأديب ، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة ولم يؤنس رشده ، فقد انقطع رجاء التأديب ; لأنه يتوهم أن يصير جدا ; لأن البلوغ بالإنزال بعد اثنتي عشرة سنة يتحقق ، فإذا أحبل جاريته ، وولدت لستة أشهر ، ثم إن ولده أحبل جاريته بعد اثنتي عشر سنة وولدت لستة أشهر صار الأول جدا بعد تمام خمس وعشرين سنة ومن صار فرعه أصلا ، فقد تناهى في الأصلية ، فإذا لم يؤنس رشده عرفنا أنه انقطع منه رجاء التأديب فلا معنى لمنع المال منه بعد ذلك .

وإلى هذا أشار في الكتاب ، فقال أرأيت لو بلغ ستين سنة ، ولم يؤنس منه الرشد ، وصار ولده قاضيا ، أو نافلته أكان يحجر على أبيه وحده ، ويمتنع المال منه هذا قبيح ، ثم يقول بعد تطاول الزمان به لا بد أن يستفيد رشدا إما بطريق التجربة ، أو الامتحان ، فإن كان منع المال عنه بطريق العقوبة فقد تمكنت شبهة بإصابة نوع من الرشد ، والعقوبة تسقط بالشبهة ، وإن كان هذا حكما ثابتا بالنص غير معقول المعنى فقوله رشدا منكرا في موضع الإثبات ، والنكرة في موضع الإثبات تخص ، ولا تعم ، فإذا وجد رشد ما فقد وجد الشرط ، فيجب دفع المال إليه ، وهذا معنى ما نقل عن مجاهد رحمه الله في معنى قوله { فإن آنستم منهم رشدا } [ ص: 163 ] أي عقلا ; لأنه بالعقل يحصل له رشد ما وفي الكتاب تتبع على أبي حنيفة رحمه الله بقوله أي فائدة في منع المال منه مع إطلاق التصرف وفي منع المال منه زمانا ثم الدفع إليه قبل إيناس الرشد منه ، وقد أوضحنا الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بما ذكرنا ثم السفيه إنما يبذر ماله عادة في التصرفات التي لا تتم إلا بإثبات اليد على المال من اتخاذ الضيافة ، أو الهبة أو الصدقة ، فإذا كانت يده مقصورة عن المال لا يتمكن من تنفيذ هذه التصرفات ، فيحصل المقصود بمنع المال منه ، وإن كان لا يحجر عليه ، ثم إذا بلغ سفيها عند محمد رحمه الله يكون محجورا عليه بدون حجر القاضي ، وقال أبو يوسف رحمه الله : لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي ، وكذلك لو بلغ رشيدا ، ثم صار سفيها فمحمد يقول : قد قامت الدلالة لنا على أن السفيه في ثبوت الحجر به نظير الجنون ، والعته والحجر يثبت بهما من غير حاجة إلى قضاء القاضي ، فكذلك في السفه وقاس الحجر بسبب الصغر والرق وأبو يوسف يقول : الحجر على السفيه لمعنى النظر له ، وهو متردد بين النظر والضرر ، ففي إبقاء الملك له نظر ، وفي إهدار قوله ضرر ، وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا بقضاء القاضي : توضيحه أن السفه ليس بشيء محسوس ، وإنما يستدل عليه بأن يغبن في التصرفات ، وقد يكون ذلك للسفه ، وقد تكون جبلة لاستجلاب قلوب المجاهرين فإذا كان مختبلا مترددا لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي بخلاف الصغر ، والجنون والعبد ، ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء رحمهم الله ، فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث