الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم

جزء التالي صفحة
السابق

ثم أنتم [ 85 ]

فتحت الميم من " ثم " لالتقاء الساكنين ، ولا يجوز ضمها ولا كسرها كما جاز في " رد " لأنها لا تتصرف أنتم في موضع رفع بالابتداء ولا يعرب المضمر ، وضممت التاء من " أنتم " لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة ، فلما ثنيت وجمعت لم تبق [ ص: 243 ] إلا الضمة ( هؤلاء تقتلون أنفسكم ) قال القتبي : التقدير : يا هؤلاء . قال أبو جعفر : هذا خطأ على قول سيبويه لا يجوز عنده : هذا أقبل . وقال أبو إسحاق : " هؤلاء " بمعنى الذين ، وتقتلون داخل في الصلة أي ثم أنتم الذين تقتلون . وسمعت علي بن سليمان يقول : سمعت محمد بن يزيد يقول : أخطأ من قال : إن " هذا " بمعنى " الذي " وإن كان قد أنشد :


عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق



قال : فإن هذا بطلان المعاني . قال أبو الحسن : " هذا " على بابه ، و " طليق " و " تحملين " خبر أيضا . قال أبو جعفر : يجوز أن يكون التقدير - والله أعلم - : أعني هؤلاء . و " تقتلون " خبر أنتم " أنفسكم " مفعولة ، ولا يجيز الخليل وسيبويه أن يتصل المفعول في مثل هذا ، لا يجيزان : " ضربتني " ، ولا " ضربتك " ، قال سيبويه : استغنوا عنه بـ " ضربت نفسي ، وضربت نفسك " . وقال أبو العباس : لم يجز هذا لئلا يكون المخاطب فاعلا مفعولا في حال واحدة . ( تظاهرون عليهم ) هذه قراءة أهل المدينة ، وأهل مكة تدغم التاء في الظاء لقربها منها ، وقرأ الكوفيون ( تظاهرون ) حذفوا التاء الثانية لدلالة [ ص: 244 ] الأولى عليها ، وقرأ قتادة : ( تظهرون ) قال أبو جعفر : وهذا بعيد ، وليس هو مثل قوله : " يظهرون منكم من نسائهم " لأن معنى هذا أن يقول لها : أنت علي كظهر أمي ، فالفعل في هذا من واحد ، وقوله : " تظاهرون " الفعل فيه لا يكون إلا من اثنين أو أكثر . وإن يأتوكم شرط فلذلك حذفت منه النون ( تفدوهم ) جوابه ( أسرى ) على فعلى هو الباب كما تقول : قتيل وقتلى وجريج وجرحى ، ومن قال : ( أسارى ) شبه بسكران وسكارى ، فكل واحد منهما مشبه بصاحبه . قال سيبويه : وإنما قالوا : سكران وسكرى لأنها آفة تدخل على العقل . قال أبو حاتم : ولا يجوز " أسارى " . قال أبو إسحاق : كما يقال : سكارى وفعالى هو الأصل ، وفعالى داخلة عليها . وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال : يقال : أسير وأسراء كظريف وظرفاء . ( أسرى ) في موضع نصب على الحال . وهو محرم عليكم إخراجهم وإن شئت أسكنت الهاء لثقل الضمة كما قال :


فهو لا ينمي رميته     ما له لا عد من نفره



[ ص: 245 ] وإن شئت أسكنت الهاء لثقل الضمة وكذلك إن جئت بالفاء واللام . " وهو " في موضع رفع بالابتداء وهو كناية عن الحديث ، والجملة التي بعده خبر ، وإن شئت كان " هو " كناية عن الإخراج ، وإخراجهم بدل من " هو " . وزعم الفراء أن " هو " عماد ، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له لأن العماد لا يكون في أول الكلام . فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ابتداء وخبر . وقرأ الحسن : ( ويوم القيامة تردون إلى أشد العذاب ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث