الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على آحاد الكفرة

[ ص: 239 ] باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على آحاد الكفرة

أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن أبي نصر الخطيب ، أخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد ، أخبرنا أبو طاهر الكاتب ، أخبرنا محمد بن إبراهيم الخازن ، أخبرنا أبو يعلى الموصلي ، حدثنا جعفر - هو ابن مهران السباك - ، حدثنا عبد الوارث - هو ابن سعيد - حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين رجلا لحاجة يقال لهم : القراء ، فعرض لهم حيان من بني سليم : رعل ، وذكوان ، عند بئر يقال لها : بئر معونة ، فقال القوم : والله ما إياكم أردنا ، إنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتلوهم ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا في صلاة الغداة ، فذلك بدء القنوت ، وما كنا نقنت .

[ ص: 240 ] هذا حديث صحيح ، أخرجه البخاري ، عن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، وترجمة عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس ، من شرط أصحاب الصحاح كلهم .

أخبرني أبو زرعة ، عن أحمد بن علي بن عبد الله ، أخبرنا الحاكم ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ، أخبرنا عبد الله بن عزيز الموصلي ، حدثنا غسان بن الربيع ، حدثنا ثابت بن يزيد ، عن هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت إذا قال : سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح ، فيدعو على حي من بني سليم

قال عكرمة : هذا مفتاح القنوت .

وهذا الحديث على شرط أبي داود ، أخرجه في كتابه ، عن عبد الله بن معاوية الجمحي ، عن ثابت بن يزيد أطول من هذا ، وقد زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ ، وناسخه حديث أنس .

أخبرنا أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن علي الهمذاني ، أخبرنا زاهر بن طاهر ، أخبرنا أبو سعيد الجنزرودي ، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان ، قال : أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا ابن مهدي ، عن هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب بعد الركوع ثم تركه .

هذا حديث صحيح ثابت .

[ ص: 241 ] اعترضوا على من ادعى نسخ هذا الحكم ، وقالوا : هذا الحديث يدل على رفع أصل القنوت ، لا على الدعاء عليهم كما ذكرتم . أجابوا وقالوا : يدفعه ما أخبرنا أبو العلاء الحسن بن أحمد الحافظ ؛ إذنا إن لم يكن سماعا ، بل هو سماع غير أن أصله لم يحضرني ، أخبرنا أبو طالب عبد القادر بن محمد ، أخبرنا أبو علي التميمي ، أخبرنا أحمد بن جعفر ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عاصم الأحول ، عن أنس قال : سألته عن القنوت أقبل الركوع ، أو بعد الركوع ؟ فقال : قبل الركوع .

قال : قلت : فإنهم يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع . فقال : كذبوا ؛ إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو على ناس قتلوا أناسا من أصحابه ، يقال لهم : القراء .

هذا حديث صحيح ثابت ، متفق على صحته ، أخرجه البخاري ، عن مسدد ، وموسى بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم من طرق عن عاصم ، وفي حديثهم : إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرا .

ألا تراه فصل بين القنوت المتروك ، والقنوت الملزوم ، ثم لم يطلق اللفظ حتى أكده بقوله بعد الركوع ، فدل على شرعية القنوت بعد الانتهاء عن الدعاء على الأعداء .

فإن قيل : قوله في الحديث : " تركه " ليس فيه دلالة على النسخ ، فيجوز أن يكون تركه في الحال ، وعاد إليه في وقت آخر .

[ ص: 242 ] قالوا : الحديث فيه دلالة على النسخ ، وما ذكرتموه يدفعه ما أخبرني أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي الفارسي ، أخبرنا أبو زكريا العبدي ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، أخبرنا أبو يعلى ، أخبرنا المقدمي ، حدثنا سلمة بن رجاء ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عبد الله بن كعب ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة ، ثم ذكر نحو حديث أبي هريرة في الدعاء على قريش - ويأتي ذكره - وفيه أنزل الله : ليس لك من الأمر شيء فما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو على أحد بعد .

هذا حديث غريب من هذا الوجه ، يؤكده ما أخبرناه أبو الشيخ محمد بن علي بن أحمد الأديب ، أخبرنا الحسن بن أحمد القاري ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، أخبرنا مخلد بن جعفر ، قال : حدثنا جعفر الفريابي ، حدثنا محمد بن عثمان بن خالد ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يدعو على أحد ، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع ، وربما قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، والمستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، يجهر بذلك ، حتى كان يقول في بعض صلاة الفجر : اللهم العن فلانا وفلانا ، أحياء من العرب ، حتى أنزل الله : ليس لك من الأمر شيء الآية .

[ ص: 243 ] هذا حديث صحيح متفق عليه ، أخرجه البخاري ، عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد ، وأخرجه مسلم من رواية سفيان بن عيينة ، ويونس بن يزيد ، وفي قوله : " كان يقول في بعض صلاته " دليل على أن القنوت لم يشرع لأجل أحياء من العرب ؛ بل كان مشروعا ، وإنما كان أحيانا يزيد فيه الدعاء عليهم حتى نهي فانتهى .

قرأت على أبي محمد عبد الخالق بن هبة الله بن القاسم ، أخبرك أحمد بن الحسن بن البناء ، أخبرنا أبو الغنائم محمد بن محمد ، أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدي ، أخبرنا علي بن الحسن بن العبد ، حدثنا أبو داود ، حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني معاوية بن صالح ، عن عبد القاهر ، عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو على مضر إذ جاء جبريل ، فأوحى إليه أن اسكت ، فسكت ، فقال : يا محمد ، إن الله - عز وجل - لم يبعثك سبابا ولا لعانا ، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ؛ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .

قال : ثم علمه هذا القنوت : اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ، ونؤمن بك ، ونخضع لك ، ونخلع ونترك من يكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخاف عذابك الجد ، إن عذابك بالكافرين ملحق .

هذا مرسل ، أخرجه أبو داود في المراسيل ، وهو حسن في المتابعات ، وقال الحاكم : أخبرني محمد بن موسى الصيدلاني ، قال : حدثنا إبراهيم [ ص: 244 ] بن أبي طالب ، قال : سمعت أبا قدامة يحكي عن عبد الرحمن بن مهدي في حديث أنس : قنت شهرا ثم تركه ، قال عبد الرحمن : إنما ترك اللعن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث